لا شك أن صوم شهر رمضان يدرب المسلم أو يعينه على ترك الطعام الحلال وكذا الشراب الحلال طوال اليوم بغية أن يصل الإنسان بصومه إلى درجة الورع الخالص الذي يجعله يحاسب نفسه لعل ما يأكله أو يشربه قد حمل في طياته شيئا من الحرام، وهو يفعل ذلك بغية اتقاء الشبهات. والمسلم الذي يسلك هذا السلوك الطيب لا شك أنه يشعر بالرضا والسعادة الداخلية.
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الشبهة أو في الحرام.
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وان حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. «متفق عليه».
فالتساهل في الشبهات في الكسب والمعاش وغير ذلك يعرض صاحبه للطعن والوقوع في المحرمات، لذلك تجد الصائم الورع الذي يعرف حدود شهر رمضان والذي يحافظ على أن يكون صومه مقبولا إن شاء الله تجده سمحا إذا ابتاع وإذا اشترى، فلا تمتد يده لكي يأخذ أكثر من حقه بل يكتفي بحقه أو أقل قليلا حتى ينجو من الوقوع في شبهة الحرام، يفعل ذلك وهو في غاية الرضا والسعادة.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه إن من تمام التقوى ان يتقي العبد في مثقال ذرة، حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما، وحتى يكون حجابا بينه وبين النار، من ذلك ما روى أن عمر رضي الله عنه قد وصله مسك من البحرين فقال:
وددت لو أن امرأة وزنت حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت امرأته عاتكة أنا أجيد الوزن، فسكت عنها، ثم أعاد القول، فأعادت الجواب، فقال: لا أحببت أن تضعيه بكفة، ثم تقولين فيها أثر الغبار، فتمسحين بها عنقك فأصيب بذلك فضلا على المسلمين.
روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه انه قال: لكل شيء حد، وحدود الإسلام: الورع والتواضع والشكر والصبر. فالورع ملاك الأمور، والتواضع براءة من الكبر والصبر النجاة من النار، والشكر الفوز بالجنة.
قال إبراهيم بن أدهم: الورع ورعان، ورع فرص وورع حذر فالورع الفرص، الورع عن معاصي الله تعالى، والورع الحذر، الورع عن الشبهات.
والمسلم وهو في شهر رمضان يعيش الورع.. بجميع أنواعه لأنه يعرف أن الورع الخالص هو أن يكف بصره عن الحرام إذا كان في الطريق أو في أي مكان آخر كالأسواق مثلا بل لا يكتفي بذلك بل تجده بصيامه يكف لسانه عن الكذب وإن نطق فإنما يقول الصدق دائما، بل يكف جميع أعضائه وجوارحه عن الحرام.
روي عن الفضيل بن عياض رضي الله عنه أنه قال: خمس من علامات الساعة: اليقين في القلب والورع في الدين والزهد في الدنيا، والحياء في العينين، والخشية في البدن.
وخمس من علامات الشقاوة: القسوة في القلب والجمود في العينين وقلة الحياء والرغبة في الدنيا وطول الأمل.
ولم تعرف الدنيا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ورعا وزهدا في الأمة كعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فقد هاجر عبدالله بن عمر مع أبيه وأمه وعمره إحدى عشرة سنة فلم يعامله عمر في العطاء كمن هاجر بنفسه وعانى كلفة الهجرة ومشقة السفر بمفرده وإنما أنقصه خمسمائة درهم احتياطاً وورعا. روي عن نافع أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابنه ثلاثة آلاف وخمسمئة فقيل له: هو من المهاجرين فلم نقصته؟ فقال: إنما هاجر به أبوه! يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه (رواه البخاري)
ويظهر ورع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وتنزهه عن أمر الجاهلية عندما قاء ما في بطنه عندما علم أنه جاء من الكهانة. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه غلام يخرج الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟
فقال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة، إلا أني خدعته فأعطاني لذلك، هذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده، فقاء كل شيء في بطنه. (رواه البخاري).
وروي عن عطية بن عروة السعدي الصحابي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس. ( رواه الترمذي وقال حديث حسن).
فالحذر من الشبهة والبعد عن تناول ما ليس فيه الحلال واضحا من أمارات المتقين، ومن التقوى وقاية النفس عن الشبهة والإعراض عنها.
قال تعالى: «وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم» (النور 10).
قال الإمام الفقيه نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي رحمه الله تعالى علامة الورع أن يرى العبد عشرة أشياء فريضة على نفسه:
أولها: حفظ اللسان عن الغيبة لقوله تعالى: «ولا يغتب بعضكم بعضا».
الثاني: اجتناب سوء الظن، لقوله تعالى: اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث. الثالث: اجتناب السخرية، لقوله تعالى: لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيراً منهم. الرابع: غض البصر عن المحارم، لقوله تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم. الخامس: صدق اللسان، لقوله تعالى: وإذا قلتم فأعدلوا.
السادس: أن يعرف نعمة الله على نفسه لكيلا يعجب بنفسه، لقوله تعالى: بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين.
السابع: أن ينفق ما له في الحق ولا ينفقه في الباطل، لقوله تعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما.
الثامن: أن لا يطلب لنفسه العلو والكبر، لقوله تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين.
التاسع: المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، بركوعها وسجودها لقول تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين.
العاشر: الاستقامة على السنة والجماعة، لقوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون. وفي ختام اللقاء... دعاء ورجاء.
ـ اللهم اجعلنا من المحافظين على الصيام والصلاة وسائر العبادات حتى نكون من جملة عبادك المفلحين الذين رضيت عنهم برضاك يا كريم. اللهم ارزقنا في هذا الشهر الإنابة والتوبة والتضرع والخشوع والرقة والنية الصادقة والعمل المقبول، يا من أظهرت الجميل وسترت القبيح، أسألك يا الله ان لاتكلنى إلى نفسي فأضل، ولا تحوجني إلى غيرك فأذل ولا تحملني ما لا طاقة لي به فأضعف ولا تبتليني بما لا صبر لي عليه فأعجز، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك ياذا الجلال والإكرام يا الله.