عن قوله بنت عامر الأنصارية رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ان رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم قال أيضا: «من عاد مريضا في الرحمة حتى إذا قعد استقر فيها» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم «رواه الامام البخاري ومسلم في صحيحيها».

يبين الرسول صلى الله عليه وسلم بأسلوبه البليغ هؤلاء الذين اتصفوا بالجشع يخوضون في مال الله ولم يقل في المال بشكل عام هؤلاء «فلهم» الفاء ترتيب مع تعقيب في النار يوم القيامة.

بينما في الشطر الثاني من عاد مريضا فهو في رحمة الله عند المريض حتى إذا قعد استقر فيها، الله عز وجل ينقي المريض من الذنوب بهذا المرض حتى يقابل الله عز وجل نظيفا تقيا فيستحق كرم الله بالجنة، وعزتي وجلالي لا اخرج عبدا من الدنيا واحب ان أرحمه إلا وفيته بكل سيئة كان عملها في الدنيا سقما في جسده أو اقصارا في رزقه أو تضيقا في عيشه أو مصيبة في ولده أو أهله حتى أبلغ منه مثاقيل الذر فإذا بلغت منه مثاقيل الذر وبقيت له سيئة بعد ذلك شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفف الزيارة عند المريض لأن له أشياء يستحي ان يفعلها أمام الزائر وكان لا يأكل عند المريض ويدعو له طهور إن شاء الله ثم يضع يده الشريفة ويقول على مكان الألم: «رب الناس أذهب الناس اشف انت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما» ويقول :طهور إن شاء الله تعالى، هذه سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

لقد جاء التعبير هنا بتنكير رجالا للدلالة على ايهام عدة الرجال ولإفساح المجال للخيال الذي يستوعبه العدد الغفير من الرجال يتحركون في المال الذي غدا لجحا من المياه وفي التنكير أيضا إنذار يوحي بأن السامع يمكن ان يكون من هؤلاء الرجال فيدفعه هذا الترهيب إلى مراجعة نفسه وهذا من منهج التهذيب والحكمة في الأسلوب النبوي الشريف ولعل ما يؤكد هذا ان الفعل بصيغة المضارع الدال على الحال والاستقبال فهم مستمرون في فعلتهم أو أن المضارع يفيد تكرار هذا الفعل الشنيع على مدى العصور والأيام.

وقدمت لنا صورة صوتية في صوت تلاطم الأمواج وها هنا حركة ليس لها اتجاه معين مما يفيد الضياع وتشير بعنفها إلى الضلال والعبث والتيه في الحياة وذلك لأن فعل خاض فلان الماء أي دخله وخاض الشراب أي خلطه وحركه.

وإضافة إلى ذلك فقد استعير الفعل في صيغة التكلف من الخوض وجاء مشدداً مصوراً بحروفه القوية وليدل على خشونة طبع هؤلاء بخشونة اللفظ ولتدل الصيغة على كثرة الخلط.

كما استكمل التصوير بحرف الجر «في مال الله» ليدل على تغطية كل أجسادهم بحركة المياه القوية المضطربة وفي هذا تجسيم للجشع الشديد كما يؤكد الاضطراب أنهم ليسوا أهل حركة ذات أهمية وفاعلية فهم مضطربون والمال كثير ولاشك ان دراسة الاستعارة داخل السياق العام في البناء الكلي للشكل والمعنى تزيد في تحديد فاعليتها ومقدار طاقتها.

ويعبر الخوض في الحديث الآخر «من عاد مريضا خاض في الرحمة حتى إذا قعد استقر فيها» عن مكاسب الخير والمثوبة العظيمة ويمثل الخوض المستعار الهمة العالية عند قاصد عبارة المريض وهو يتحرك داخل الرحمة وكأنه سكن في الرحمة وهي محيطة من كل جانب للدلالة على تأكيد حصوله على الثواب.

وكما غدا المال لجحا مائية في النص السابق فإن الرحمة الكائن المجرد يغدو جسما محسوسا متحركا بفعل المحرك العائد وتشبيه الرحمة بالمياه هنا اشارة إلى استمرار الحياة بها مثل المياه وإلى كثرتها غير المحدودة أما الفعل «خاض» فيصير حركة ذهنية تثير الخيال لأنها ارتقت إلى مصاف المجردات فهي حركة غير معهودة.

وفي هذا النص استعارتان فعليتان تجسمان الرحمة في خوض المؤمن فيها وفي الاستقرار فيها والأولى حركة قوية متحركة والأخرى حركة ساكنة آخذة في الصفة النحتية وهاتان الاستعارتان تقدمان صورة مسافيه عرضية من الخوض إلى الاستقرار تريح الباصرة والبصيرة كما أن الزمن المؤطر للاستعارتين ماض إشارة إلى تمام الثواب وتأكيد حصوله كما تسبغ الاستعارة الفعلية على الحركة العنيفة وربما كانت في اتجاه واحد محدد.