عبادةٌ جليلةٌ وعادةٌ حميدةٌ وخلقٌ سنيٌّ يشمل خيرات كثيرة ولا يتصّفُ به إلا أشراف الخلق وأفضلهم، وهو خضوع الإنسان للحق وانقياده له وقبوله ممن قاله في الرضا والغضب، وهو التذلل وخفض الجناح ولين الجانب الذي أمرَنا اللهُ به «واخفضْ جَنَاحَكَ لمن اتَّبعَكَ من المؤمنين».
وهو شعور وإحساس المرء بموقعه ومكانته الحقيقية أمام الحق سبحانه وتعالى، وفقه وتقييم منزلته لدى الخلق واعتبار نفسه كأحد الناس، فلا يرى لنفسه قيمةً فوق العباد بل قد يرى أنهم يفضلونه كما قال الحسن البصري حين اختلف الناس في معنى التواضع وأكثروا فيه :
«أراكم أكثرتم الكلام في التواضع، قالوا :أي شيء التواضع يا أبا سعيد؟ قال :يخرج الإنسان من بيته فلا يلقى مسلماً إلا ظن أنه خير منه»، وحينئذٍ يرفعه الله عز وجل فيكبر حقيقيةً كما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :
«مَنْ تواضع لله رفعه الله ومَنْ تكبّر وضعه الله»، وبهذا تعلو مكانته حتى أعلى الجنان مصداقاً لقول سيد الأنام :«مَن تواضع لله درجةً رفعه الله درجةً حتى يجعله في علّيّين، ومَن تكبّر على الله درجة وضعه الله درجةً حتى يجعله في أسفل السافلين».
والتواضع كما عرّفه بعض العلماء ألاّ يرى المرء في نفسه قيمة. وقيل هو احترام الناس بما يليق بإنسانيتهم ومعاملتهم بإنكار الذات، والتواضع نوعان :أحدهما محمودٌ والآخر مذموم، أما التواضع المحمود فهو تواضع المرء لله وترْك التطاول على عباده وازدرائهم واحتقارهم، أما التواضع المذموم فهو تواضع الإنسان لذي السلطان والدنيا رغبة في دنياه، فيتدنى بذلك ويحطّ من نَفسه ويمتهنها ويذلُّها ويُنزلها من علياء الإنسانية إلى حضيض الحيوانية.
وقد حثّ الإسلام على التواضع ونهى عن مدح النفس وتكبرها إذ قال سبحانه وتعالى :«فلا تزكّوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم:
« إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحَدٌ على أحَد»، وهذا يبين ما للتواضع من أثر على انتشار العدل والإحسان والمساواة بين الناس ومن ثَمّ تحقيق الرفعة والعزة الحقيقية، تلك العزة التي نوه النبي صلى الله عليه وسلم بأنها تكمن في التواضع فقال فيما رواه عنه مسلم :« ما نقصتْ صدقةٌ من مال،وما زاد الله عبْداً بعفوٍ إلاّ عزّاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله»، وقيل قديماً :« التواضع سلّم الشرف».
هذا عن عاقبة التواضع في الدنيا أما في الآخرة فالجزاء بإذن رب الناس الجنّة، قال تعالى :«تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين»، وفي المقابل نجد الحرمان من الجنة ونعيم الآخرة من نصيب المتكبرين، لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم :«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر، قال الرجل :
إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة، قال :إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس»، فأوضح صلى الله عليه وسلم في الحديث أن غمط الناس (أي احتقارهم) وبطر الحق (إنكاره ودفْعه والترفُّع عليه) هو الكبر، وما أسوأ مآل المتكبرين يوم الحساب وتعرُّضهم بكبرهم للعذاب، فقد قال الله في الحديث القدسي :
«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، من نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم»، ومما يبيّن أن الكبرياء يورد صاحبه موارد الهلكة في الآخرة قول النبي صلى الله عليه وسلم :
«ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلّ جوّاظ متكبر» وبيّن عليه الصلاة والسلام أن وزن ذرة من كبر في قلب المرء تقف سداً منيعاً حائلاً بينه وبين الجنة، لذلك حرص سلفنا الصالح على خلوص النفس من الكبر اقتداء بسيدنا النبي الذي كان خير مثال في التواضع، فقد كان يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويعاون أهله في شؤون بيته، فعن الأسود بن يزيد قال :
«سُئلت عائشة رضي الله عنها ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت :كان يكون في مِهنة أهله (يعني : خدمة أهله) فإذا حضرت الصّلاة، خرج إلى الصّلاة».
وكان يسلّم على الصغير، عن أنس رضي الله عنه :أنّه مرّ على صبيانٍ، فسلّم عليهم، وقال :كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يفعله، وكان ويوقّر الكبير، ويرعى الغنم، ويمشي في الأسواق. فسار الصالحون على هديه وتلمسوا خطاه فهذا عدي بن أرطأة يقول لإياس بن معاوية : إنّك لسريع المشية، قال :«ذلك أبعد من الكِبْر، وأسرع في الحاجة»، وكانوا يكسرون النفس بالتواضع ويئدون أي إحساس بالكبر في مولده فهذا عروة بن الزبير يقول :
رأيت عمر بن الخطاب وعلى عاتقه قِرْبة ماء، فقلت :يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا، فقال: لمّا أتتني الوفود بالسمع والطاعة، دخلتْ في نفسي نخوةٌ فأحببت أن أكسرها، ومضى بالقِرْبة إلى حجرة امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها. ومثل ذلك حمْلُه الدقيق على ظهره وإطعامه الأطفال.
ورؤي أبو هريرة وهو أمير المدينة المنورة وعلى ظهره حزمة من حطب وهو يقول :«طرِّقوا للأمير» أي أفسحوا له طريقاً.
وقيل ركب زيد بن ثابت فَدَنا ابن عباس (حبر الأمة وترجمان القرآن) رضي الله عنهما ليأخذ بركابه، فقال :مه يا ابن عم رسول الله، فقال :هكذا أُمِرنا أن نفعل بعلمائنا، فأخذ زيد بن ثابت يد ابن عباس فقبّلها، وقال هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلله دَرهما من متواضعين عظيمين أدركا أن مقياس العظمة الحقيقية لدى الأصفياء التواضع، أما الناقصون القاصرون فميزان الدناءة فيهم والصغر هو التكبر.
وأمثال هذه الحوادث كثيرة فهلّا اتخذناهم القدوة والأسوة وسِرْنا على نهجهم واقتفينا أثرهم فنلنا أجرهم.