تتشابه بعض أسماء الله الحسنى في معانيها فيحسب من لا علم له بفقه اللغة وبلاغتها ودلالة ألفاظها ـ أنه لا فرق مثلاً بين الوهاب والمعطي، والرازق والكريم ونحوها من الأسماء التي تحمل معناها ولكنها في الحقيقة تلتقي في بعض المعاني وتفترق في بعضها الآخر افتراقاً ليس من باب التضاد بل هو من قبيل افتراق التنوع.

وقد قالوا: إدراك المعاني فهم، وإدراك المرامي فقه، والفقه أقوى من الفهم، فهو إدراك المعاني الدقيقة وما وراءها من المقاصد والعبر، وما تحمله تلك المعاني من أبعاد علمية وحجج قوية، فقد يفهم المرء الأمر الذي يقال له ولكنه لا يفقهه لقصور فكره، وجهله بما يؤول إليه الكلام، فإن سأل عالماً خبيراً أرشده إلى ما لم يكن يفطن إليه، ووجهه الوجهة التي ينبغي أن يتوجه إليها لو كان قد فقه الكلام عقب سماعه له، ولهذا قال الله تعالى في سورة النحل، والأنبياء: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).

كل واحد من العقلاء يعرف أن الوهاب هو الذي يعطي من يشاء وكيف شاء ومتى شاء بغير حساب وبدون أسباب ظاهرة يراها الناس أو يعرفونها. وقد ذكر العلماء في معنى هذا الاسم العظيم فقالوا: هو الذي يهب العطاء دون عرض، ويمنح الفضل بغير غرض، ويعطي النعمة بغير سؤال.

فقولهم: «يهب العطاء دون عرض» وصف تفرد به الحق ـ جل شأنه فهو الغني بذاته عن سائر خلقه، لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، ولا ينقص شيء من ملكه بالعطاء، ولا يزيد بالمنع.

فهو القائل في كتابه العزيز (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد).

أي: أنتم الفقراء فقراً تاماً لله العزيز الحميد، وهو الغني الغنى التام عن سائر خلقه، ومع ذلك هو حميد أي: تحمده الخلائق لعظيم جوده، وهو حميد يحمد العباد على طاعتهم فهو حميد بمعنى: محمود وحميد بمعنى: حامد.

وهو القائل في الحديث القدسي الطويل - الذي رواه مسلم في صحيحة: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.