تتحدث الكثير من المراجع السياسية والاقتصادية عن قضية الماء باعتبارها إحدى القضايا المصيرية التي ستواجه العالم وقد تكون هذه القضية سبباً في نشوب حروب إقليمية ودولية فالكل في هذا العالم يبحث عن الماء، فالماء عنصر الحياة المباشر على هذه الأرض، قال تعالى: «وجعلنا من الماء كل شيء حي» صدق الله العظيم، والماء شأنه شأن الهواء لو نفد من الأرض فإن كل المخلوقات ستموت، فحياة الإنسان والحيوان والنبات معتمدة على الماء.

الدول الغنية والفقيرة تبحث عن الماء

خلال السنوات العشرين الماضية تعرضت الكثير من الدول لموجات جفاف أدت إلى موت عشرات الآلاف من الحيوانات والمئات من الأنفس ولأن الكل بدأ يفكر في أفضل طريقة لإيجاد مصادر ماء لا تنضب فقد اتجهت كل الأنظار إلى مياه البحار لتحليتها، رغم أن التكلفة كبيرة ثم اتجهت أيضاً إلى المياه الارتوازية حيث وجدتها هي الأخرى أكثر كلفة إلا أنه كان لابد من خوض هاتين التجربتين من أجل استمرار الحياة، فإذا لم يتوفر الماء فلن يكون هناك حياة.

ففي دراسة نشرتها مجلة الـ ECONOMIST اليونانية أشارت إلى أن الحكومة البريطانية بدأت تجارب كثيرة على أجهزة علمية من شأنها تحلية مياه البحر بأسعار زهيدة وذلك لكي يتم تصدير هذه الأجهزة إلى الدول الأخرى خاصة في إفريقيا من أجل تحلية مياه البحر واستخدام مياه عذبة.

وأضافت المجلة أن أحد المهندسين البريطانيين واسمه CHANLS BALAN صمم بيتاً زجاجياً GREEN HOUS ليس بالضرورة مصنوعاً من الزجاج بل من البلاستيك من شأنه أن يحل مشكلة المياه في العالم خاصة في دول افريقيا وأميركا الجنوبية والخليج ودول الشرق الأوسط .

حيث إن هذا البيت ذو تكلفة بسيطة وقادر على تحلية نحو 1000 متر مكعب من المياه يومياً معتمداً على أشعة الشمس واختراقها لجزيئات البيت البلاستيكي ومن ثم تبخر المياه بسبب تركيز أشعة الشمس على سطح المياه ثم تجمعها في أنابيب وبعد ذلك في صهاريج كبيرة وتوزيعها على البيوت والمزارع .

وكان MARKO GOLDSMEELD الذي أشرف على أجهزة علمية لتحلية المياه قدمتها 62 شركة هندسية من 11 بلداً قد قال بأن هذا التصميم الهندسي للبيت الزجاجي وما سيوفره من مياه عذبة للملايين من الناس سيعد ثورة حقيقية في حياة البشرية وقد ينقذ أمماً وشعوباً كاملة من الموت عطشاً وأضاف GROLDS MEELD بأن قطرة ماء أصبحت تساوي في قاموس الشعوب الموت أو الحياة بمقدار ما تمتلك أمة ما أو شعب ما من الماء بمقدار ما يمتلك من الحياة.

وأشار GOLDSMEELD إلى أن الماء هو أحد العناصر الاستراتيجية الرئيسية للبشرية جمعاء فبالإضافة إلى استخدامها كمياه للشرب أصبحت المحرك الرئيسي للزراعة والصناعة ولولاها لما كان هناك حضارة إنسانية وطالب في معرض حديثه الجميع بالمحافظة على الماء مؤكداً أن الماء يعني الحياة (WATER MEANصS LIFE).

أهمية الماء في القرآن والسنة

أرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى أهمية الماء في الحياة فرغم أن الاهتمام بالماء هو أحد المفاهيم الاقتصادية الاستهلاكية الحديثة إلا أن القرآن الكريم أخبرنا منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام عن أهمية الماء باعتباره عنصراً أساسياً في حياة أي أمة وذلك في قوله سبحانه وتعالى: «أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون» صدق الله العظيم.

وقد كرم الله سبحانه وتعالى الماء قائلاً «فيهما عينان نضاختان» أي لا ينقطعان، والأصل في الماء أنه طاهر لقوله تعالى «وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به» والماء يمكن أن يكون قادماً من السماء كقوله تعالى «وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً» ثم جاءت آية أخرى لتثبت بالدليل القاطع بأن الماء هو الذي يحيي الأرض بعد موتها «وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون».

ومن خلال القرآن الكريم نعرف أن الماء موجود على الأرض منذ أن وجدت الأرض نفسها وهذا يدل دلالة قاطعة على أهمية الماء فقد قال تعالى «والأرض بعد ذلك دحاها اخرج منها ماءها ومرعاها» ثم قوله سبحانه وتعالى «وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء» فهذا يعني ان الماء كان موجوداً منذ بدء الخليقة وهذا أيضا يدلنا ويرشدنا ويعلمنا أهمية الماء كضرورة حياتية وذلك للمحافظة عليه وعدم استهلاكه إلا في ضرورة، ولقد كفل الإسلام حق الماء (باعتباره حق الحياة) للجميع قال تعالى «ونبئهم أن الماء قسمة بينهم» .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس شركاء في ثلاث «الماء والكلأ والنار» ولقد جاء ذكر الماء أول شيء دلالة على أهميته وفي العهد الحديث وقعت عدة اتفاقيات من أجل الاستغلال السليم للماء خاصة مياه الأنهار فالنهر عندما يمر في دولة من حقها ان تستفيد من مياهه ولكن عليها ان لا تأخذ أكثر من حاجتها .

وذلك كي لا تؤثر على الدول الأخرى التي يمر فيها النهر فإذا أرادت دولة ما ان تقيم سداً لتخزين مياه النهر الذي يمر فيها فان عليها ووفقاً لاتفاقيات دولية خاصة اتفاقية هلسنكي لعام 1966 ومثلها اتفاقية نيويورك لعام 1958 ان تستشير هذه الدول في إقامة السد ومن حق هذه الدول ان ترفض أو توافق فالاتفاقيات الدولية تقيد سلطات الدول في استغلال مياه الأنهار بما لا يضر بمصالح باقي الدول.

وأكثر استفادة من هذه الاتفاقيات هي الدول العربية وذلك لان جميع الأنهار التي تجري في البلاد العربية منابعها في دول غير عربية إلا نهر الأردن من هنا كان من الضروري ان تهتم الدول العربية أكثر من غيرها في البحث عن مصادر رخيصة لتحلية مياه البحر وذلك كي لا تتحول مقدرات امتنا وتصبح في أيدي أناس يتحكمون في مصادرها المائية.

وهذا يعيدنا إلى عام 1992 عندما افتتح الرئيس التركي السابق سليمان ديميريل سد أتاتورك حيث قال ان منابع المياه ملك لتركيا ومن حقها ان تتحكم في مياهها كما تريد وقد وجه كلامه إلى العراق حيث قال كما ان النفط هو ملك للعراق ونحن لا نطالب العراق بحصة فيه كذلك على العراق ان لا يطالبنا بمياه تنبع من أرضنا ونتيجة لذلك كادت ان تقوم حرب بين تركيا والعراق لولا التدخلات الدولية التي أقرت حق العراق في المياه القادمة من تركيا.

وهذا متفق مع قوله تعالى «الله الذي خلق السماوات والأرض وانزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار» وعليه ووفقاً للشريعة الإسلامية لا يجوز لأي فريق أو لأية دولة ان تحتكر مصدراً لماء دون غيرها من الدول .

ومن المعروف ان مقومات الحياة للإنسان هي الماء والغذاء والهواء وبما ان الهواء موجود فان الماء والغذاء هما المصدران الباقيان وهنا نود الإشارة إلى انه لا يمكن إيجاد الغذاء إذا لم يتوفر الماء فهما أمران متلازمان قال تعالى «ألم تر ان الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعاً» والمقصود بالزرع هنا كل زراعة وغذاء يخرج من الأرض، ولقد أوصانا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعدم منع الماء عن أي شخص يريد الاستفادة منه في قوله عليه السلام «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي.

وهو كاذب ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال مسلم، ورجل منع فضل الماء فيقول الله اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» لذا على المجتمعات الإنسانية ان تعرف ان الله سبحانه وتعالى هو الذي سخر لنا نعمة الماء وعلينا جميعاً ان نكون شركاء فيها وان نسعى جميعاً إلى تطوير مصادرها وان نسعى جميعاً إلى ترشيد استهلاكها.

الأمم المتحدة والقضايا المائية

وكانت قضايا المياه وحاجة المجتمعات إليها قد دخلت إلى محراب الأمم المتحدة حيث قال الدكتور Achim Steiner المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبيئي بأنه إذا استمرت حالة الجفاف وندرة الإمطار التي تعاني منها الكثير من الدول مع الزيادة الكبيرة في ارتفاع درجة الحرارة فان مجتمعات كاملة قد تنتهي من الوجود وأضاف بان منطقة الشرق الأوسط .

هي من أكثر المناطق التي ستتأثر بأي تطورات قد تحدث بسبب أزمة المياه على الصعيد نفسه أيد كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة البحث الذي قام به البروفيسور Aaron wolg جامعة Oregon State Univers'ty الذي قدمه لمنظمة (الفاو) والذي جاء فيه بان شح المياه سيصبح ظاهرة عالمية وعندها سيصاب العالم بالجوع والأمراض وهذا بدوره سيؤدي إلى انتهاء مجتمعات كاملة خاصة تلك المجتمعات التي لا تزال بعيدة عن ركب الحضارة.

وأكد wold على ضرورة الإقلال من استخدام مياه الآبار الارتوازية بسبب تكلفة استخراجها وتحليتها والتحول إلى مياه البحار باعتبارها منبعاً لا ينضب مع إيجاد سبل حديثة ورخيصة لتحليتها. وصدق الحق حيث قال «وجعلنا من الماء كل شيء حي» صدق الله العظيم

ترجمة وإعداد: أحمد سلطان