يقول تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلاً أفلا تذكرون) (هود:24). وعن الآية يقول الشيخ محمد علي الصابوني:
عرضت السورة الكريمة لعناصر الدعوة الإسلامية وهي «التوحيد، والرسالة، والبعث» عن طريق الحجج العقلية مع الموازنة بين الفريقين: فريق الهدى، وفريق الضلال، وبين النفوس المستعدة للإيمان، والنفوس النافرة منه، وضربت مثلاً للفريقين يتضح بهما الفارق الكبير بين الهدى والضلال، كما تفرق الشمس بين الظلمات والنور، وبين الأعمى والبصير، ثم ذكر الآية التي معنا.
ويرى الشوكاني أن هذا المثل ضرب للفريقين وهو تشبيه فريق الكافرين بالأعمى والأصم، وتشبيه فريق المؤمنين بالبصير والسميع، على أن كل فريق شبه بشيئين، أو شبه بمن جمع بين الشيئين، فالكافر شبه بمن جمع بين العمى والصمم، والمؤمن شُبِّه بمن جمع السمع والبصر، وعلى هذا تكون الواو في «والأصم»، وفي «والسميع» لعطف الصفة على الصفة، كما في قول الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام والاستفهام في قوله: (هل يستويان) للإنكار: يعني الفريقين، وهذه الجملة مقررة لما تقدم من قوله، (أفمن كان على بينة من ربه) وانتصاب مثلاً على التمييز من فاعل يستويان، أي يستويان حالاً وصفة: (أفلا تذكرون) في عدم استوائهما وفيما بينهما من التفاوت الظاهر الذي لا يخفى على من له تذكر، وعنده تفكر وتأمل،... والهمزة لإنكار عدم التذكر واستبعاد صدوره عن المخاطبين.
ويورد الطبري رواية أسندها إلى قتادة توضيحاً لهذه الآية قال: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن، فأما الكافر فصَمَّ عن الحق فلا يسمعه وعمى عنه فلا يبصره، وأما المؤمن فسمع الحق فانتفع به وأبصره فوعاه وحفظه وعمل به. يقول تعالى: (هل يستويان مثلاً) يقول هل يستوي هذان الفريقان على اختلاف حالتيهما في أنفسهما عندكم أيها الناس فإنهما لا يستويان عندكم، فكذلك حال الكافر والمؤمن لا يستويان عند الله.
(أفلا تذكرون) يقول جل ثناؤه أفلا تعتبرون أيها الناس وتتفكرون فتعلموا حقيقة اختلاف أمريهما فتنزجروا عما أنتم عليه من الضلال إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان، فالأعمى والأصم والبصير والسميع في اللفظ أربعة، وفي المعنى اثنان، ولذلك قيل: (هل يستويان مثلاً؟).
وقيل كالأعمى والأصم. والمعنى: كالأعمى الأصم، وكذلك قيل والبصير والسميع والمعنى: البصير السميع كقول القائل: قام الظريف والعاقل وهو ينعت بذلك شخصاً واحداً. وهذا الكلام يوهم ظاهره أنه جاء على غير طريق البلاغة لعدم ائتلاف اللفظ بالمعنى.
وقد سبقت الإشارة إلى ما قاله ابن أبي الإصبع في مثل الكفار الذي ورد في سورة البقرة هو قوله تعالى: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء)، وأن هذا جاء من القسم الذي يوهم ظاهره أن الكلام قلب فيه على وجه لغير فائدة، وفي القسم المقابل له قال ابن أبي الاصبع:
وأما القسم الذي يوهم ظاهره أن نظام الكلام جاء على غير طريق البلاغة لكون لفظه غير مؤتلف بمعناه، لما ترى بين الألفاظ من سوء الحوار لعدم الملاءمة، وإذا تؤمل حق التأمل، وجد جارياً على منهج البلاغة، بحيث لو جاء على ما توهمه المعترض لكان النظم معيباً، قوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والسميع هل يستويان؟).
فإن العارف لظاهر نظم الكلام وتهذيبه دون باطنه، يرى أن نظم هذه الآية قد أتى على غير طريق البلاغة، فإن طريق البلاغة أن يقال: كالأعمى والبصير، والأصم والسميع، ليلائم بعض الألفاظ بعضاً، فتأتلف بمعانيها ويأتي في كل جملة من الجملتين طباق لفظي، والأمر على خلاف ما توهمه، لأن في الكلام على الترتيب الذي جاء عليه تصحيح المعنى، وفيه على ما توهمه المتوهم فساد المعنى:
وذلك أنه سبحانه قال: (مثل الفريقين) فاقتضى الفريقين تفسيرهما فقال كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، ليكون المشبه به قسمين، وليكون المشبه وفق عدد الفريقين، أحد القسمين مبتلى، والآخر معافى، ليضاد بين القسمين حتى يصح السؤال عن التسوية بينهما مع تضادهما من باب تجاهل العارف للسؤال عن معلوم، لقصد التوبيخ، لو قيل كالأعمى والبصير لكانت هذه الجملة فريقين، ثم يعود فيقول:
والأصم والسميع، فتكون الجملة الأخرى فريقين آخرين، فيكون قد فسر الفريقين بأربعة، وهذا فساد ظاهر، فلذلك عدل من الملاءمة في ظاهر الكلام إلى ما هو أهم منها،.
وهو تصحيح المعنى المراد». ومن يقرأ هذه الآية يحس لأول وهلة أنها قد أتت على غير طريق البلاغة، وأن نظمها غير مستقيم لأن البلاغة تقتضي، أن يقال كالأعمى والبصير، والأصم والسميع، ليلائم بعض الألفاظ بعضاً فتأتلف معانيها، ويأتي في كل جملة من الجملتين طباق لفظي، ولكن الأمر على خلاف ما توهمه المتوهم فساد المعنى.
وذلك أنه- سبحانه- قال: مثل الفريقين فاقتضى «الفريقين» تفسيرهما فقال: كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، لكون المشبه به قسمين وليكون المشبه وفق عدد الفريقين، أحد القسمين مبتلى، والآخر معافى ليضاد بين القسمين حتى يصبح السؤال عن التسوية بينهما مع تضادهما من باب تجاهل العارف للسؤال عن معلوم.
لقصد التوبيخ، ولو قيل كالأعمى والبصير لكانت هذه الجملة فريقين، ثم يعود فيقول: والأصم والسميع، فتكون الجملة الأخرى فريقين آخرين فيكون قد فسر الفريقين بأربعة، وهذا فساد ظاهر، فلذلك عدل عن الملاءمة في ظاهر الكلام إلى ما هو أهم منها وهو تصحيح المعنى المراد.
والألوسي قال عن هذه الآية: فهناك تشبيهان: الأول تشبيه حال الكفرة الموصوفين بالتعامي والتًّصام عن آيات اللَّه تعالى بحال من خلق أعمى أصم لا تنفعه عبارة ولا إشارة، والثاني تشبيه حال الذين آمنوا وعملوا الصالحات فانتفعوا بأسماعهم وأبصارهم... ثم قال: ويحتمل أن يكون هناك أربعة تشبيهات بأن يعتبر حال كل من الفريقين:
الفريق الكافر، والفريق المؤمن بحال اثنين، أي مثل الفريق الكافر كالأعمى، ومثله أيضاً كالأصم، ومثل الفريق المؤمن كالبصير، ومثله أيضاً كالسميع، وقد يعتبر تنويع كل من الفريقين إلى نوعين فيشبه نوعاً من الكفار بالأعمى، ونوعاً منهم بالأصم، ويشبه نوعاً من المؤمنين بالبصير ونوعاً منهم بالسميع، واستبعد ذلك؛ إذ تقسيم الكفار إلى مشبه بالأول ومشبه بالثاني، وكذلك المؤمنون غير مقصود البتة بدليل نظائره في الآيات الآخر.
وذكر السيوطي الرأيين، أي أن الآية تضمنت تمثيل الكافرين بمثلين والمؤمنين بمثلين، ثم قال: ولعطف الصفات، فهو على تمثيل للمؤمن بمثال واحد، وهو من جمع بين السمع والبصر، وتمثيل للكافر بمثل واحد وهو من جمع بين العمى والصمم. ولكن الزمخشري يقول: شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم، وفريق المؤمنين بالبصير والسميع، وهو من اللف والطباق، وفيه معنيان أن يشبه الفريق تشبيهين اثنين، كما شبه امرؤ القيس قلوب الطير بالحشف والعناب وأن يشبهه بالذي جمع بين العمى والصمم، أو الذي جمع بين البصر والسمع على أن تكون الواو في والأصم.
وفي والسميع لعطف الصفة على الصفة كقوله: الصابح فالقائم فالآيب (هل يستويان) يعني الفريقين. (مثلاً) تشبيهاً. ولكن رأي الزمخشري قوبل بالاعتراض من صاحب كتاب «الانتصاف» الذي قال: «قال محمود شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم، وفريق المؤمنين بالبصير والسميع إلى قوله ان تكون الواو... إلخ».
قال أحمد: بخلافها على الوجه الأول فإنها لعطف الموصوف على الموصوف وأما تنظيره الآية بتشبيه امرئ القيس في كونه شبه تشبيهين اثنين، ففيه نظر، فإن امرئ القيس شبه كل واحد من الرطب واليابس تشبيهاً واحداً، والآية على التفسير الأول شبهت كل واحد من الرطب واليابس تشبيهاً واحداً، والآية على التفسير الأول شبهت كل واحد من الكافر والمؤمن تشبيهين، وإنما ينَظَّر ببيت امرئ القيس على الوجه الثاني فإن مقتضاه أن كل واحد منهما شبه تشبيهاً واحداً، ولكن في صفتين متعددتين والأمر في ذلك قريب والله أعلم.
وصاحب حاشية الشهاب يقول: إنه من التشبيه المركب من جانب المشبه به لا المشبه، كما ينبني عليه لفظ المثل وهذا من بديع التشبيه.... وهذا الوجه آثره الطيبي رحمه الله تعالى والحق معه ولا نظر لقول صاحب الكشاف. وذكر البيضاوي أنه من باب اللف والطباق، فيكون هنا عطف صفة على صفة، وإلى هذا ذهب الغرناطي الذي قال: والواو لعطف الصفات، فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثال واحد، وهو من جمع بين السمع والبصر، وتمثيل للكفار بمثال واحد وهو من جمع العمى والصمم، وذكر قبل هذا أنه تمثيل للمؤمنين بمثالين وتمثيل للكافرين بمثالين.
وقد مال إلى عطف الصفات أبو السعود، وبَين أنه الأدخل في المبالغة، ولكن الشيخ رشيد رضا قال: شبه فريق الكافرين أولاً بالأعمى في عدم استعمال بصره فيما يفضل به بصر الحيوان الأعجم، من فهم آيات الله التي تزيده علماً وعقلاً وهدى روحياً، ثم شبهه بالأصم كذلك بدليل عطفه على الأعمى ليتأمل كل تشبيه وحده، وأما قوله تعالى في المنافقين:
(صم بكم عمي) (البقرة: 18) بدون عطف، فالمراد به من أول وهلة: التهويل بجمعهم للنقائص الثلاث كلها دفعة واحدة، فلم يبق في استعدادهم منفذ للهدى، ولذلك عطف عليه بفاء السببية في قوله في الآية: (فهم لا يرجعون).
ومن الإيجاز في الآية عطف هذه الصفات المتقابلة للفريقين، وتركه للسامع والقارئ التوزيع والتفريق بين ما لكل منهما من التشبيهين المتضامين. وإذا كان المثل قد صور الكافرين والمؤمنين، هل ذكر قبل هذا المثل ما يفيد الحديث عن المؤمنين والكافرين قبله؟ يجيب على هذا الفخر الرازي فيقول: واعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين ذكر فيهما مثالاً مطابقاً ثم اختلفوا. فقيل:
إنه راجع إلى من ذكر آخراً من المؤمنين والكافرين من قبل، وقال آخرون بل يرجع إلى قوله: (أفمن كان على بينة من ربه) ثم ذكر من بعده الكافرين ووصفهم بأنهم لا يستطيعون السمع ولا يبصرون، والسميع والبصير هم الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم. وإذا كان الحديث عن المؤمنين والكافرين، فكان المقتضى أن يكون القول: هل يستوون بدلاً من قوله تعالى: (هل يستويان) بالمثنى؟