جاء الإسلام في المجال الاقتصادي بمبادئ وأصول اقتصادية معينة تنطوي على سياسة اقتصادية متميزة، ومن ثم كان الاقتصاد الإسلامي قديمًا قدم مجيء الرسالة الإسلامية، وإن كان تدريسه كعلم بين العلوم جاء متأخرًا، فالاقتصاد الإسلامي بعبارة مبسطة وموجزة هو ذلك النشاط الاقتصادي الذي يتحرك وينمو من وجهة نظر شرعية إسلامية.
أو هذا النشاط الذي يجب أن ينشأ وينمو بمنطلق شرعي إسلامي ووفقًا لأصول ومبادئ الإسلام الاقتصادية حسبما وردت بنصوص القرآن والسنة، تمامًا كما نقول: إن الاقتصاد الرأسمالي هو الذي يوجه النشاط الاقتصادي الكائن وجهته رأسمالية أي وفقًا لأصول ومبادئ الرأسمالية، التي قوامها شعار «وعد يعمل وعد يمر» أي الاقتصاد الحر وآليات السوق.
وفي هذا الإطار يأتي كتاب «فتاوى الأستاذ الإمام محمد عبده» للمستشار محمد شوقي الفنجري عضو مجمع البحوث الإسلامية.. ذلك الكتاب الذي استطاع فيه مؤلفه أن يسترشد بفتاوى الأستاذ الإمام في مختلف المسائل الاقتصادية كفوائد البنوك وصناديق التوفير، ومسألة التأمين على الحياة.
ورأيه في سبل علاج مشكلات الفقر والتخلف، والإنفاق في سبيل الله. . للتعريف بالاقتصاد الإسلامي هذا الكيان الفقهي المهم الذي لا يزال مهملاً بشكل يدعو للحزن، حيث تتبارى البلاد الإسلامية وتتنافس في تطبيق نظم اقتصادية بعيدة عن الإسلام، على الرغم من توفير الرسالة والشريعة الإسلامية لمقومات نظام اقتصادي السعي وراء تطبيقه فيه العلاج والنجاح الدنيوي والأخروي في آن واحد.
نشأة الاقتصاد الإسلامي
قسم الفنجري كتابه إلى جزأين خصص أولهما لتناول نشأة ومفهوم وخصائص الاقتصاد الإسلامي، وثانيهما تناول فيه الفتاوى التي صدرت عن الأستاذ الإمام محمد عبده بشأن بعض القضايا الاقتصادية التي أثيرت في عهده.
وفي متناول حديثه عن نشأة الاقتصاد الإسلامي يقول: «تميز الإسلام باعتباره خاتم الأديان بصفتين أساسيتين: أولهما عالميته فقد جاء موجهًا للبشر كافة وليس لفئة معينة. وثانيهما كماله، فلكونه خاتم الأديان وموجهًا للبشر كافة، فقد جاء كاملاً لا يقتصر على مجرد الهداية الروحية والأخلاقية، وإنما جاء بجوانب تنظيمية سياسية واجتماعية واقتصادية للمجتمع.
وهذا ما يعبر عنه بمصطلح أن الإسلام دين ودنيا وأنه عقيدة وشريعة». ويؤكد المؤلف أن نشأة الاقتصاد الإسلامي جاء بمجيء الإسلام والمبادئ الاقتصادية كفيلة بأن توفر الضمانة والاستقرار لكل أفراد دولته الساعين في الإطار الذي حددته هذه المبادئ على الصعيد الاقتصادي، وجاءت هذه المبادئ الاقتصادية ذات وجهين، أولهما: وجه ثابت يتعلق بالمبادئ والأصول الاقتصادية التي جاء بها الإسلام، وثانيهما:
وجه متغير يتعلق بالتطبيق أي كيفية اعمال الأصول الاقتصادية الإسلامية في مواجهة مشكلات المجتمع المتغيرة، وأن ذلك بدوره يبين نقطة مهمة وهي: أن الاقتصاد الإسلامي يتميز بأن مرده، ليس اختيار المجتمع أو أهواء النخبة الحاكمة، وإنما مرده إلى حكم الله - تعالى - بحيث لا ينظم النشاط الاقتصادي، وهو أمر كائن، إلا وفقًا لأصول ومبادئ الإسلام الاقتصادية حسبما كشفت عنه نصوص القرآن والسنة.
وفي متناول عرض المؤلف لمبادئ الاقتصاد الإسلامي يرى أن هناك بعض المبادئ الثابتة الأصول، التي لا تتغير بتغير الأهواء والظروف والأحوال ومن أهمها: أصل أن المال مال الله والبشر مستخلفون فيه، وأن التنمية الاقتصادية الشاملة أمر ثابت لا هوادة ولا تغير فيه..
فالإنسان مكلف بعمارة الأرض، حيث جعله الله خليفة له في الأرض، وكذلك من الأصول والمبادئ الثابتة في الاقتصاد الإسلامي ما يتعلق بضمان حد الكفاية لكل فرد في المجتمع الإسلامي، حيث جعل الإسلام الضمان الاجتماعي ممثلاً في الزكاة ذلك الركن الثاني في العقيدة الإسلامية بعد الصلاة، ولذلك فقد اعتبر الإسلام ضمان حد الكفاف لكل فرد هو صميم الإسلام وجوهر الدين.
ثوابت إسلامية ويواصل المؤلف في كتابه عرض الثوابت الإسلامية المتعلقة بالاقتصاد، مشيرًا إلى أنه من الثوابت أيضا عدالة التوزيع أو حفظ التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع ودول العالم لقوله تعالى:
«كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم{ (الحشر: 7)، أي لا يجوز أن يكون المال متداولاً بين فئة قليلة من الناس أو دول محدودة تستأثر بخيرات الله، بل يجب أن يعم الخير الجميع، وفي ذلك يقول الرسول: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (أخرجه البخاري ومسلم)، وعليه فإنه يتعين على ولي الأمر المسلم التدخل لإعادة التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع عند افتقاره، وذلك بالقدر الذي يحقق التوازن والاعتدال الذي هو المجتمع الإسلامي، ومن الأصول والثوابت أيضًا أصل ترشيد الاستهلاك والانفاق، وذلك بتحريم التبذير لقوله تعالى:
«إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين{. وفيما يتعلق بمسألة التطبيق يقرر المؤلف في كتابه أن إعمال الأصول والمبادئ الاقتصادية الإسلامية في مواجهة مشكلات المجتمع المستجدة يتغير حسب الأحوال والظروف، فهو عبارة عن الأساليب أو الخطط العلمية والحلول الاقتصادية، التي يكشف عنها أئمة الإسلام أو تتبناها السلطة الحاكمة في كل مجتمع إسلامي لإحالة أصول الإسلام ومبادئه الاقتصادية إلى واقع مادي يعيش المجتمع في إطاره..
ومن قبيل ذلك على حسب المؤلف بيان مقدار حد الكفاية وإجراءات تحقيق هذه الكفاية والكيفية التي يضمن بها عدالة التوزيع، وبيان العمليات التي توصف بأنها ربا وصور الفائدة المحرمة، وبيان نطاق الملكية العامة، ومدى تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.
خصائص اقتصادية وعن خصائص الاقتصاد الإسلامي يوضح المؤلف أنه من الممكن تمييز الاقتصاد الإسلامي بخصائص ثلاث وهي أنه اقتصاد إلهي يجمع بين الثبات والتطور، حيث ثباته من حيث الأصول الاقتصادية قطعية الدلالة حسبما وردت بنصوص القرآن والسنة، والتطور من حيث كيفية إعمال وتطبيق هذه الأصول الإلهية بحسب متطلبات الزمان والمكان.
ومن خصائصه أيضًا قدرته على الجمع بين المصالح المادية والحاجات الروحية بخلاف مختلف النظم الاقتصادية الوضعية، التي تسعى وراء تحقيق المصالح المادية وأن النشاط الاقتصادي ذا صيغة مادية بحتة، أما الخاصية الثالثة فهي الجمع بين المصلحتين الخاصة والعامة.
حيث التوفيق بين المصالح المتضاربة، وهو ما عبر عنه البعض بخاصية الوسطية التي تعني الاعتدال والتوازن، استنادًا إلى قوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا{ (البقرة: 143). فتاوى الإمام أما الجزء الثاني من الكتاب.
والذي خصصه المؤلف لفتاوى الشيخ محمد عبده بشأن بعض القضايا الاقتصادية التي أثيرت في عهده، فيأتي في عدة عناوين أولها: فتواه بشأن إضراب عمال صناعة السجائر، حيث كان النظام السائد ابان فترة الاحتلال البريطاني الرأسمالي، وسيطرت بعض الشركات الأجنبية على السوق مستغلة في ذلك العمالة المصرية،.
وفي خلال ثلاثة شهور من أول ديسمبر سنة 1899 حتى آخر فبراير سنة 1900، شهدت مصر أكبر وأطول إضراب للعاملين في مجال صناعة السجائر وعددهم يزيد على 30000، ورفض المعتمد البريطاني آنذاك تدخل الحكومة المصرية لإنصاف العاملين، وفي سنة 1904 أصدر الشيخ محمد عبده فتواه في هذا الخصوص.
مؤكدًا أن القيام بالصناعات من فروض الكفاية، ومن ثم إذا تعطلت وجب على القائم بأمر الأمة أن يتخذ السبيل إلى إقامتها بما يرفع الضرورة والحرج عن الناس، وكذلك إذا تحكم باعة الأقوات ودفعوا أثمانها إلى حد كبير وجب على الحاكم في كثير من المذاهب الإسلامية أن يضع حدًا للائتمان التي تباع بها. .
هكذا يوصي بأنه من حق الحاكم أن يتدخل في شؤون الخاصة وأعمالهم إذا خشي الضرر العام في شيء من تصرفهم. ويتحول المؤلف إلى فتوى أخرى للأستاذ الإمام حول فوائد صندوق التوفير بمصلحة البريد الصادرة عنه عام 1903 عندما ألفت الحكومة لجنة من الأزهر لدراسة موقف الشرع من حوافز صندوق التوفير، تلك الفتوى التي أشار فيها إلى أن الذين يقومون بتقديم أموالهم ومدخراتهم إلى البنك المركزي وكيلاً عنهم في استثمارها في معاملاته المشروعة مقابل ربح يصرف لهم.
ويحدد مقدما في مدد يتفق عليها مع المتعاملين معه عليها، فهذه المعاملة بتلك الصورة حلال ولا شبهة فيها لأنه لم يرد نص في كتاب الله أو السنة النبوية بمنع هذه المعاملة التي يتم فيها تحديد الربح أو العائد مقدمًا ما دام الطرفان يرتضيان هذا النوع من المعاملة.
التأمين على الحياة وينتقل المؤلف في كتابه لعرض فتوى الإمام بشأن التأمين على الحياة التي صدرت عنه أثناء تولية مسؤولية الإفتاء ردًا على سؤال أحد شركات التأمين.
القاهرة: رمضان أبو إسماعيل
