اهتم الدين الإسلامي الحنيف بكل ما يحفظ بناء المجتمع الإسلامي وسلامته ووضع الضوابط التي تضمن استقرار هذا البناء ومن هذه الضوابط صلة الرحم، إلا أن الإيقاع السريع لحركة الحياة وسيطرة الماديات، جعلت المقطوع من صلات الرحم أكثر من الموصول منها. وانتشرت نوعية غريبة وشاذة من الجرائم الأسرية والعائلية، أشبه بنذير عن حجم الخطر الذي يتهدد المجتمعات الإسلامية من جراء الأرحام المقطوعة.

وفي التحقيق التالي نحاول التعرف على أسباب ما آلت إليه المجتمعات الإسلامية من غياب لصلة الرحم، وكيفية البقاء على هذه الأرحام موصولة، رغم سيادة قيم المادة، وانشغال الكثيرين بها عما سواه. يقول د. عبد الصبور شاهين الأستاذ بجامعة القاهرة: إن غياب الوازع الديني عند المسلمين.

وابتعادهم عن تعاليم الإسلام ومبادئه وراء غياب صلة الرحم التي حث عليها الإسلام، فالمسلمون اتجهوا إلي تقليد الغرب تقليدا أعمى في كل شيء، فانتشرت تبعاً لذلك ظواهر غربية وشاذة لم تكن موجودة في المجتمع الإسلامي من قبل، وصلة الرحم من أخلاقيات الإسلام التي أمر بها لبناء مجتمع إسلامي قوي ومتماسك.

وللأسف تكاد تنعدم صلة الأرحام في العديد من المجتمعات الإسلامية، ونسمع كل يوم عن ابن يقتل أباه أو أمه، وآخر يقتل شقيقته أو عمته أو جدته من أجل المال، وهذه الجرائم كلها ليست من أخلاقيات الإسلام، بل هي إفراز الحضارة الغربية الدنيئة.

يؤكد د. شاهين أن السنة النبوية المطهرة حثت على صلة الرحم بين المسلمين عامة، وليس داخل نطاق الأسرة فقط، فكلنا آدم وحواء قبل أن تتفرق بنا الأنساب بعد ذلك، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في ذلك.

وهو ما يؤكد ما لصلة الرحم من فائدة كبيرة، لذا لابد من الاقتداء بالرسول في ذلك مع الأخذ في الاعتبار ألا تقتصر صلة الرحم على نطاق الأسرة الواحدة أو داخل المجتمع الواحد بل تمتد إلى جميع المجتمعات الإسلامية، فتقديم الدعم سواء ماديا أو معنويا، للمسلمين في لبنان أو العراق أو السودان يعتبر من صلة الرحم، لأننا كلنا إخوان في الله والإسلام.

ويضيف د. عبد الصبور شاهين أن الحل الأمثل لجميع المشاكل والأزمات التي يمر بها العالم الإسلامي، ومنها صلة الرحم المقطوعة.. يتمثل في العودة إلي الإسلام والتحلي بأخلاقه وتطبيق شريعته، فحالة اللامبالاة والضعف التي يمر بها المسلمون اليوم سببها بعدهم عن جوهر الدين الإسلامي، الذي يحمل الحلول لجميع المشاكل والقضايا التي تظهر في كل العصور.

هموم المادة

ويشير د. محمود عبد الجواد منة كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر إلى أن القرآن الكريم حث على صلة الرحم وحقوق الجار، وصلة الرحم بالجار تكون بدعوته إلى الطعام وزيارته وبشاشة الوجه عند لقائه، وكف الأذى الحسي والمعنوي عنه، وصلة الرحم داخل الأسرة، تكون بتدعيم أواصر المحبة بين الأب وابنه والأم وابنتها، وغيرهم من الأقارب، والعلماء يقولون:

إن الجيران ثلاثة.. جار له حق واحد وجار له حقان وجاز ثلاثة حقوق، والأول هو غير المسلم، بينما الثاني فهو المسلم أما الثالث فهو المسلم ذو الرحم، ومن هنا يتضح أهمية صلة الرحم في الإسلام. ويضيف د. عبد الجواد أنه ليس من المعقول أن يتناسى المسلمون قواعد الشريعة الغراء، ويبتعدون عن أخلاقيات الإسلام، رغم أنها الأصلح لدينهم ودنياهم، وقطع صلة الرحم بين المسلمين يزيد من قوة القلوب وخشونة الطباع وغيبوبة العقل.

وكلها نتائج للمدنية الحديثة، التي اغتربت فيها القيم الإنسانية وسيطرت هموم المادة على عقول الناس فنسوا أمور الدين والدنيا معاً، وما نراه الآن من التفكك الذي يعاني منه المجتمع الإسلامي، سببه غياب صلة الرحم، التي وجدت لتجمع قلوب وعقول المسلمين على يد واحدة.

رحم واحد ويرى د. محمد المنسي بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، أن الدين الإسلامي دين أخلاق وتعامل، والشريعة الإسلامية تتجلي في أبهى صورها في الحفاظ على مكارم الأخلاق ونبيل الخصال، وآيات القرآن تشير إلى البر والتسامح وصلة الرحم، لما تحققه من منفعة للمسلمين.

والبشرية جميعها جاءت من رحم واحد، ثم تفرقت الأنساب وتعددت الأمم، ولكن تبقي صلة الرحم العامة لتؤلف قلوب البشر جميعاً، والرحمة العامة لب اللباب في تعامل الإنسان مع الوجود، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الراحمون يرحمهم الله»..وارحموا من في الأرض يرحمكم من السماء»، أما الرحمة الخاصة.

وهم ذوو القربى، فقال تعالي «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا»، وتأكيد الكتاب والسنة على صلة الرحم بين المسلمين في أكثر من موضع، دليل على أن قطعها يهدد المجتمع الإسلامي بالخطر، ويوقع من يقطعها في دائرة المعاصي.

ويشير د. المنسي إلى أن الله سبحانه وتعالي لم يجعل المخالفة في الدين والشرك به سببا للتقاطع والمجافاة، طالما أن المخالف لم يشهر على المسلمين سيفا، ولم يلحق بهم أذى، وقال في كتابه الكريم «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» وتجاهل الناس لأرحامهم نتيجة للابتعاد عن مبادئ الدين الحنيف.

وتجاهل حقوق الإحسان إلى ذوي القربى والانسياق الأعمى خلف القيم المادية وغيرها من الأسباب التي لا يجب أن تكون سبباً بأي حال لسقوط حقوق ذوي الأرحام، لما لهذه الحقوق من فائدة جعلت المولى عز وجل يعاقب على كل من يقطع أرحامه. د. محمد عمران أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس يتناول ضعف صلة الأرحام من الناحية الاجتماعية فيقول:

إن ضعف صلة الرحم من الظواهر التي انتشرت بشكل كبير في المجتمعات الإسلامية، نتيجة لسيطرة الماديات وانشغال الناس بها عن الروحانيات، فنحن نرى الآن أشقاء يعيشون في منازل واحدة، كالغرباء وهذا نموذج لحال الأسرة الواحدة، فما هو الحال بالنسبة لدرجات القرابة الأبعد.

ومن نتائج ذلك أن انتشرت الجرائم الاجتماعية التي لم نكن نسمع عنها من قبل مثل قتل الابن لأمه وأشقائه، أو قتل الأم لأطفالها والغريب أن البعض يحاول إرجاع هذه الحوادث إلى ما تعانيه بعض المجتمعات من أزمات اقتصادية واجتماعية، رغم أن التشخيص الصحيح لها هو غياب الوازع الديني، وقطع الأرحام التي أمر الله بوصلها والتي تضمن تماسك الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم وتمتد إلى الأمة الإسلامية التي تجمع بين أبنائها أخوة الإسلام.

أما د. محمد مصطفى الخبير النفسي بمركز الإرشاد النفسي بجامعة عين شمس، فيرى أن غياب صلة الرحم في المجتمعات الإسلامية، يعود بالدرجة الأولي إلى طغيان المادية على المجتمع، فأصبح كل شيء يقاس بالمادة.. زيارة الأخ لأخيه ليس للاطمئنان عليه أو دعما لصلة الرحم، وإنما لتحقيق منفعة معينة.

وتدعيم الصلة بين الابن والأب، هدفها مصلحة أيضاً وليس لأغراض إنسانية، ومن هنا ظهر التفكك الأسري وغابت الروحانيات وأخلاقيات الإسلام عن أفراد المجتمع فانتشرت الجرائم.

وأضاف د. مصطفى أن أسلوب التربية الذي تتبعه الأسرة مع أبنائها وراء غياب صلة الرحم بينهم بعد ذلك، حيث تسيطر على الأسرة روح التفرقة في المعاملة، مما يولد الأحقاد بينهم، ويتربى الطفل على أنه فرد واحد في مجتمع فردي يؤمن بأن المصلحة هي الدافع لهذه الحياة، وبالطبع هذه المشكلة تهدد المجتمع الإسلامي بأكمله.

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية