مفكر من طراز خاص، قرأ كتاباته المثقفون، رغم اختلافهم أو اتفاقهم معه ربما لعناوينه المثيرة أو قضاياه المتجددة أو لمعرفة فكر مختلف يستحق الاحترام والتقدير، فآراؤه دائما مثار جدل.. عندما أراد تصحيح مسار الجماعات الإسلامية والعلمانية المتشددة وقيل عنه إنه يؤيد العنف ولما حاول فهم الثورة الإيرانية اعتبرت آراؤه دعوة لاتخاذ إيران نموذجا للحضارة الإسلامية.

إضافة إلى ما قيل عنه في بداية حياته بأنه يساري، مفكر كهذا يمتلك تلك الرؤية الإسلامية المستنيرة يتشعب الحديث معه إلى مناطق كثيرة مهما حاولنا اختصارها، فهموم العالم الإسلامي تتطلب إلقاء الضوء عليها بتركيز واهتمام من خلال مفهوم وفلسفة خاصة لا تطلق الآراء جزافا ولا تتبع التيارات السائدة لتسير في ركابها.

التقيناه في هذا الحوار، وسألناه عن الأحداث الدموية والإرهابية المنتشرة في أنحاء العالم فقال: إن الإرهاب مستمر مادامت الديمقراطية غائبة، وحدثنا عن تصور الإسلام لبناء الدولة السياسي وقال إنه لا يرفض مصطلح الإسلام السياسي الذي أثير ضده بغرض التشهير بالهوية الإسلامية.

وعن فشل المثقفين في الانتقال من الصراع العلماني الإسلامي إلى الصراع الوطني.. وقال إن ظاهرة العنف أثر لهذا الفشل، وعن الحزب الإسلامي قال إنه ضرورة لنتجاوز الطائفية والعرق والحدود ونغرس قيم الوحدة الوطنية في مجتمعنا، وتطرق هويدي إلى قضايا عديدة أخرى فتناول تفاصيلها في هذا الحوار.

* صدقت مقولة إن الإرهاب لا وطن له، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر فهل تنجح أميركا والجهود الدولية في وقف الإرهاب؟

ـ الدول المتقدمة تستخدم التكنولوجيا في الطب وكافة فروع العلم وكشفت الأحداث الأخيرة أن الإرهابيين أيضا يستخدمون الوسائل الحديثة في تنفيذ عملياتهم، وأمكن لهم بسهولة تكوين منظمات، يمكن أن تتسلح بوسائل شديدة التعقيد، لذلك ستظل قضية الإرهاب مستمرة وسيظل بقاؤها مرهوناً بغياب الديمقراطية والأزمة الاقتصادية ويأس الناس من وجود الحل السلمي ومع ذلك يجب بذل كل الجهود لمواجهته بمنتهى الشدة ولكن بعد علاج الثغرات التي ينفذ منها.

* وهل معنى ذلك أن الديمقراطية يمكن أن تقضي على الإرهاب مع أن الكثيرين يتهمون الإسلام بأنه ضدها؟

ـ الإسلام دين ورسالة تتضمن مبادئ تنظيم عبادات الناس وأخلاقهم ومعاملاتهم، أما الديمقراطية فهي نظام للحكم وآلية للمشاركة وتحمل العديد من القيم الإيجابية.

ولذلك يجب وضع الأمور في مكانها عندما نتصدى لتلك المسألة، فالديمقراطية عند البعض في زماننا لاينظرون إليها كنظام يقوم على الحرية والمشاركة السياسية والتعددية وغير ذلك فحسب وإنما كرمز لمشروع غربي مارس القهر والذل في حق العرب والمسلمين ويعكس خطابه الإعلامي على الأقل عداء ظاهراً للإسلام ومن ثم فإن الأفكار الديمقراطية من جانب هؤلاء لا ترفض الديمقراطية في ذاتها ولكنها رفض للمشروع الذي تمثله .

وهذا الخيط الرفيع لايلاحظه كثيرون في تقييم توجس بعض الإسلاميين من الديمقراطية والذي فسره الغربيون بأن الجماعات الإسلامية شجبت الأسلوب الغربي للديمقراطية ونظام الحكم الذي أدخله البريطانيون في بلدانهم، وكان رد فعلهم السلبي في حقيقة الأمر تعبيرا عن رفض النفوذ الاستعماري الأوروبي دفاعا عن الإسلام ضد زيادة الاعتماد على الغرب.

وهناك قصة مشهورة في مصر عندما رشح لطفي السيد باشا نفسه في انتخابات الجمعية التأسيسية النيابية على مبادئ ديمقراطية في محافظة الدقهلية قبل الحرب العالمية الأولى، وعندما أراد خصمه أن يهدم دعايته أشاع بأن الديمقراطية التي يدعو إليها الباشا فكرة غريبة تسمح للمرأة بأن تتزوج بأربعة لتتساوى مع الرجل وكانت تلك المقولة كافية لإسقاط لطفي السيد، فالانطباعات المستقرة في الذاكرة الإسلامية حول مختلف مفردات المشروع الغربي هي السبب في ذلك.

حل الإشكالية

* وكيف ترون حل هذه الإشكالية؟

ـ الحل يأتي من خلال إثبات تصور الإسلام لبناء الدولة السياسي لنكون على بينة، ويقوم هذا التصور على ثلاثة أركان أساسية هي الملاحظات والسمات الأساسية ثم اتصالها بالوسائل وثالثا الأهداف والمقاصد، فمواصفات الدولة تتلخص في الولاية للأمة فهي صاحبة الاختيار والرئاسة العامة وحق الإمام وعزله والمجتمع مكلف ومسؤول برعاية المصالح العامة من خلال خطاب القرآن التكليفي «يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط»®.

وكذلك الحرية حق للجميع، حيث ممارسة الإنسان هي الوجه الآخر لعقيدة التوحيد ونطق الشهادتين بمثابة الإعلان عن العبودية لله، والمساواة بين الناس «يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير»والإسلام أيضا أقر تحريم الظلم ومقاومته كما جاء في الحديث القدسي «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، وفي ذلك أباح الإسلام القتال لرد الظلم» «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير».

وكما أن القانون فوق الجميع فسيادة الشريعة وخضوع الجميع لها حكاما ومحكومين من شأنه أن ينصب قانوناً أعلى فوق القانون كما يقيم سقفا يتعذر اختراقه والعبث به واستقلال مرجعية التشريع في بلدان العالم الثالث، ونحن نرى الآن استبداد السلطة التشريعية بالقانون خصوصا عندما يصنع الحاكم القانون أو يضع السلطة التي تصدر القانون، فالنظام الإسلامي أوجد صيغة مشتركة تحد من استبداد السلطة التشريعية والتنفيذية أيضا لأنه ارتفع بالقانون فوق الهوى والغرض .

* ألا ترى تناقضا بين هذا الرأي وما قلته سابقا من رفضك لمصطلح الإسلام السياسي؟

ـ مصطلح الإسلام السياسي هو عنوان لحملة مفتعلة للتشهير بالهوية الإسلامية الحقيقية وبمجمل دعوة الإحياء الإسلامي المستمرة منذ بدايات القرن ذلك مقتصر على عنصر التخويف والوقيعة بين حركة الإحياء والحكومات فأنا تحدثت عن سمات الرؤية الإسلامية للنظام السياسي فقط أما الذين يتحدثون عن الإسلام السياسي فيتجاهلون الأبعاد الحقيقية للإسلام ويريدون أن يفرضوا عليه النموذج الذي ارتضته الحضارة النصرانية الغربية.

وبدلا من أن تكون العلاقة بين الإسلام والنصرانية قائمة على الاحترام المتبادل فإنهم يصرون على تحويلها إلى علاقة تطابق وتماثل في حين أن الله ما كان ليبعث برسالة الإسلام لتصبح نسخة أخرى من النصرانية، فالإسلام قدم إضافة تبرر كونه آخر الرسالات وخاتمها تمثلت في النموذج المتكامل والشامل في المعاملات ونظم الحياة

* وهل فشل المثقفون في الانتقال من الصراع العلماني الإسلامي إلى الصراع الوطني؟

ـ نشهد الآن حالة من الاستقطاب بين تيارين إسلامي وعلماني، وداخل الأول توجد تمايزات كثيرة وداخل الثاني أيضا، ولكن الحاصل أن فشل المثقفين في إقامة علاقة حوارية ناجحة تسمح بالانتقال مع الصراع العلماني الإسلامي إلى الصراع الوطني وغير الوطني بحيث تجمع جميع التيارات في صف وطني واحد يخدم تمايزاته واختلافاته الفكرية ويضع المصالح العليا للوطن فوق المصالح الفئوية أو الثقافية لفئة دون أخرى ظاهرة العنف بشكل عام بين العلمانية والإسلام.

وهو ما أوجد التطرف الإسلامي، الذي وقف المجتمع ضده والآن أيضا من حق المجتمع أن يتصدى بذات الدرجة لمحاولات التطرف العلماني التي تتعمد إشعال المزيد من الحرائق وتصفية لحسابات من أي نوع لاكتساب مشروعية خصوصا من جانب أولئك الذين انهار مشروعهم وسقط تاريخيا وعلمياً وصار دورهم محصورا في هدم مشروع الآخرين حتى وإن اقتضى الأمر هدم المعبد على من فيه.

إرهاب فكري

* في الوقت الذي تؤكد فيه ضرورة التصدي للتطرف بنوعيه الإسلامي والعلماني، تتردد أقوال بتأييدك لتلك الهجمات والجماعات التي يقومون بها فما ردكم؟

ـ قالوا ذلك فعلا وقالوا أيضا إنني ضد تطبيق الشريعة الإسلامية، ولكنني عندما ذكرت أن هناك مخاوف من تطبيق الشريعة الإسلامية أردت تصحيح الأخطاء ودعوت لتصحيح الخطاب الإسلامي وليس ذلك تراجعا عن تطبيق الشريعة لأنه ليس بوسع أي مسلم ملتزم أن يتبنى مطلب عدم التطبيق، غاية ما هنالك أنني أردت تصويب الآراء الخاطئة لكن نضع الشريعة في مكانها الصحيح أما تأييدي للجماعات المتشددة فهذا نوع من الإرهاب الفكري يمارس ضدي، فأنا أول من اشتبك مع تلك الجماعات في مصر منذ السبعينات، فهناك فرق بين فهم الشيء وتبريره بمعنى أن ما يحدث في الجزائر على سبيل المثال اعتبره جرائم.

ولكن دعونا نفهم لماذا حدثت ومن المسؤول عنها لقد أدنتهم ومازلت أدين غيرهم من الذين يرمونني بهذه التهمة وأنا أعتبر مهمة الكاتب أو الباحث غير مهمة النيابة أو الادعاء ليس مطلوبا من أن أحاكم أو أحاسب ويكفي أن أعلن موقفا يرفض سلوكا معينا من منطلق مسؤولياتي واهتمامتي.

* ناديتم بضرورة قيام الحزب الإسلامي فهل تعتقد أنه سينجح فيما فشلت فيه النظم والتيارات الإسلامية المختلفة؟

ـ هناك واقع تعيشه أمتنا لا سبيل للاستجابة إليه إلا بإتاحة الفرصة لظهور هذا الحزب، فهناك أناس كثيرون يريدون أن تكون تعاليم الإسلام هي التي تصوغ حياتهم.

كما إن هناك واقعا عقديا يستلزم ذلك، فالمسلم مكلف بتكاليف لا يستطيع أداءها في حياته العملية، إلا إذا وفر الإطار الدستوري والقانوني فرصة عرض مشروعه بأسلوب مقبول سياسيا وديمقراطيا والصيغة الحزبية فوق هذا الأسلوب للإسلاميين وغيرهم وإغلاق باب العمل السياسي الشرعي أمامهم هو دعوة للجميع كي يتجهوا للعمل السري بكل مخاطره التي ليست خافية على أحد وهو دليل على إدانة الممارسة الديمقراطية وتشكيك في جدوى تعامل الإسلاميين معها.

وذلك موقف تتبناه بعض الفصائل المتطرفة وتجاهد الفصائل المعتدلة لإثبات خطئه، فمشروع الحزب الإسلامي فيه متسع للمسلم أما غير المسلم فله حق ودور أساسي من القاسم الحضاري وبالتالي فإن مجال حركة الحزب يتجاوز الطائفية والعرق وحدود المسلمين أنفسهم ويقوي أواصر الوحدة الوطنية.

كنموذج حضاري

* تحدثتم عن إيران كنموذج حضاري إسلامي رغم ارتباطها بالعديد من الحركات المتشددة ألا يقلل ذلك من كونها نموذجا ؟

ـ أنا لم أتحدث عن النظام السياسي لإيران بل إنني اعتبره نقطة الضعف الأساسية في التجربة الإيرانية وكتبت ذلك في مقدمة كتابي عن إيران.. ففي بعض المراحل كان هناك اشتباك بين بعض الدول العربية وإيران..

وعندما حاولت أن أفهم الثورة الإيرانية قيل عني إنني مؤيد لها وإنني مروج لأدبياتها وهذه أكاذيب يرددها من يختلفون معي فكريا.. ولكني أحيانا لا أتكلم لأنني لا أستطيع الحديث بحرية عن كل الأنظمة..

وفيما يخص الدول النموذج في الشريعة الإسلامية فأنا أرى أن المملكة السعودية خير مثال على ذلك وفيها الخير الكثير ولا ينسى الجميع أن إيران دولة نووية وكذلك باكستان وهذا يعطينا قوة على الرغم من أن القنبلة لا دين لها ولكن المستقبل هو الذي سيحدد مصير أفغانستان بجوارها تبين القوتين، وأعتقد أنه سيكون بين فصائل الشعب الأفغاني نفسه الذي يمكن أن يفرض إرادته كما حدث على مر التاريخ..وبين المصالح الخارجية التي ستظهر حقيقة وجودها هناك ومتى ينتهي.

* عارضتم قانون تطوير الأزهر في أواخر التسعينات فهل مازلتم عند رأيكم؟

ـ لا أحد يستطيع الاعتراض على تطوير الأزهر والتيسير على طلابه ولكن كيفية التطوير هي ما أتحدث عنه دائما .. ولكن ما حدث في الواقع تخريب للثقافة الطلابية والشرعية وحرمان للطلاب الأزهريين من الاستمرار في تحصيل علومهم الشرعية .

ومن بينها القرآن الكريم وهذا يفقد الأزهر خصوصيته ودوره التاريخي وتأثيره العظيم في مصر مما يستوجب استنفار كل الطاقات الحريصة على حاضر الأمة ومستقبلها لكي تتضافر من أجل حمايته وعزته التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من عزة الأمة وقوتها وما حدث فيه أكبر هدية لجماعات العنف وتجفيف لمنابع الفكر الرشيد.

تشخيص الرسل

* وفي هذا السياق كيف ترى تصوير الأنبياء والرسل على شاشة التليفزيون والسينما ؟

ـ لكل مجتمع مقدساته التي يجب احترامها وهو أمر لا يفرضه الالتزام الديني فقط وإنما هي واجبة من صميم النظام للمجتمع..

ولسنا نفهم لماذا تشن الحملات على الأغنيات الهابطة وتحذف المشاهد والعبارات التي تخدش الحياء العام بينما يمارس البعض ضغوطا شديدة لتمرير ما يخدش الضمير الديني.. إننا لا نعرف مجتمعاً على وجه الأرض في الحاضر والماضي لا تتوفر لديه ضوابط لممارسة الحرية وعند أهل القانون.

وفي أحكام المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة ذاتها فإن حرية الرأي والتفكير وحرية الإبداع الذي لا ينبغي أن تتمتع بالحماية القانونية، ،الدستورية هي فقط التي تحترم القيم الأساسية للمجتمع، والمبدعون لا يتحركون في فراغ ولا يعيشون وحدهم في هذا العالم ولكنهم جزء لا يتجزأ من نسيج اجتماعي أكبر وممارستهم لإبداعهم مشروطة بوجوب الحفاظ على ذلك النسيج واحترام المجتمع المحيط بهم ويوجه أخص عقائد الناس ومقدساتهم التي هي ركن أساسي في النظام العام للمجتمع.

ومن الملاحظ حتى هذا الصدد أن بعض النخب الفكرية والسياسية تدافع بحماس عن حرية غير المتدينين الذين هم استثناء على المجتمع في كل الأحوال، لكنهم ينسون أن الأغلبية المتدينة لها أيضا حريتها والتي هي واجبة الاحترام ومن المفارقات اللافتة للنظر هنا أننا نجد تاريخا مستباحاً لكل من هب ودب من الناس بينما لا تسمح إسرائيل لأي باحث أو مفكر في أي مكان في العالم أن يفكر على نحو مختلف في مسألة أفران الغاز المنسوبة إلى النازيين في الحرب العالمية الثانية .

ولو أن فيلما سينمائيا لمس شعرة في التاريخ اليهودي لقامت الدنيا ولم تقعد ولما فتح أحد فمه بكلمة عن الحرية أو حقوق التعبير والإنسان وإلا جلد بسوط العداء للسامية ومواقف الأزهر في ذلك مشرفة ولا يمكن أن يسمح بنشر مثل ذلك أو الاستهانة بقيمنا الدينية.

القاهرة:وكالة الصحافة العربية