العنب
عُرف العنب منذ أقدم العصور، ووجدت بذوره في طبقات البحيرات السويسرية والتي ترجع إلى العصر البرونزي كما عثر على بذوره في مقابر قدماء المصريين. وعرفت أنواع عديدة من العنب منذ عهد نوح عليه السلام، وورد ذكره في التوراة، والإنجيل، وفي الأساطير، وفي كثير من حكايات الأولين، وكرس الإغريق إلها من آلهتهم للخمر المصنوع من العنب، وجاء العنب إحدي عشرة مرة في أكثر من سورة من سور القرآن الكريم على أنه من أعظم نعم الله على عباده في الدنيا، وفي الجنة.
ويقال إن المنطقة الدافئة حول بحر قزوين هي المنطقة التي نشأ فيها العنب، ومن هناك نقل شرقاً إلى آسيا، وغرباً إلى أوربا، وإفريقيا، ويصنف العنب على أنه من فواكه المنطقة المعتدلة، وتنتشر زراعته الآن في جميع قارات العالم. ومن الطريف أن للعنب أسماء كثيرة فهو يسمى «حبلة» و«كرم» و«بستان» و«عريشة»، واذا كان أخضر سمي «حصرم» أما إذا كان جافاً سمى «زبيب».
يتبع العنب الفصيلة العنبية، وهو شجيرة متساقطة الأوراق، ويتسلق العنب بمحاليق، وساق العنب عبارة عن محور كاذب، وفي منطقة خروج المحاليق والأوراق تكون العقد منتفخة، والأوراق في العنب بسيطة، راحية، مفصصة نوعاً، والأوراق الصغيرة تكون زغبية، ويقل الزغب تدريجياً مع تقدم الورقة في العمر، ويختلف وجود الزغب على الأوراق الكبيرة باختلاف الصنف، فمثلاً تكون الأوراق ملساء في أصناف العنب البناتي والبز، وتحمل أزهار العنب في عناقيد.
وتوجد أنواع كثيرة من العنب أهمها العنب الأوروبي، ويسمى عنب الدنيا القديمة، ويشمل هذا النوع حوالي ثلاثة آلاف صنف، وهو أكثر الأنواع انتشاراً، حيث يمثل 90% من مساحة العنب المزروعة في العالم، وأصناف العنب المزروعة في مصر، والعالم العربي جميعها من النوع الأوروبي.
ينقسم العنب حسب الغرض من استعماله إلى: عنب المائدة، وعنب النبيذ، وعنب العصير الحلو، وعنب الزبيب. ومن المعروف للعنب قيمة غذائية وطبية كبيرة سواء كان ثماراً طازجة، أم زبيباً، أم حصرماً، أم عصيراً، وحتى الأوراق لا تقل قيمتها الغذائية والطبية عن الثمار.
وأثبتت التحاليل الغذائية أن ثمار العنب تحتوي على 72-88% ماء، وحوالي 20% سكر، كما تحتوي على 5ر1% دهوناً، و1% بروتيناً، بالإضافة إلى فيتامينات (أ،ب1،ب2،ج) كما تحتوى على الكالسيوم، والفسفور، والحديد. أما قشر ثمار العنب فهو غني بفيتامين (ب المركب) الذي يدخل في عمليات حيوية في جسم الإنسان، وهو عامل مهم في سلامة الجهاز العصبي.
ووصف ابن قيم الجوزية العنب فقال: هو من أفضل الفواكه وأكثرها منافع، وهو يؤكل رطباً، ويابساً، وأخضر، وبائعاً، وهو فاكهة مع الفواكه، وقوت مع الأقوات، ودواء مع الأدوية، وشراب مع المشروبات. وأضاف داوود الأنطاكي عن العنب فقال: انه أجود الفواكه غذاء، يسمى ويصلح هزال الكلى، ويصفي الدم، ويعدل الأمزجة، هو مرطب، ومنظف للقناة الهضمية، ونافع للالتهابات، والأمراض المعدية، والعصبية، والتهاب الأمعاء، والإمساك.
وأخيراً أثبتت التجارب والأبحاث أن العنب هاضم جداً، ومنشط للعضلات والأعصاب، ومجدد للخلايا، وطارد للسموم، كما أنه غني بالألياف النباتية التي تمنع حدوث الإمساك، وتحمي الجسم من الإصابة بمرض السرطان. فالعنب يحتوي على مواد مذيبة تستطيع إذابة كل الأجسام الغريبة التي بالجسم دون أن تلحق الأذى بخلاياه السليمة،
كما يحتوي العنب أيضاً على مواد مطهرة، ويمكن استخدامه في تطهير الجروح، كما يحتوي على خمائر لها أثرها الملحوظ في الوظائف الهضمية، فالعنب ذو خواص مزدوجة، فهو ذو قيمة غذائية، وقيمة علاجية في نفس الوقت. ويضيف: إن العنب لا مثيل له باعتباره عاملاً بناء في تكوين الأنسجة، والعضلات فهو يعتبر مذيباً وبناءً في آن واحد، وهذه ميزة ينفرد بها دون سائر الأغذية الأخرى.
أما أوراق العنب فهي تضارع ثمار العنب من حيث القيمة، حيث تحتوي أوراق العنب على فيتامين (ج) ومادة قابضة. وتأكل شعوب كثيرة أوراق العنب محشوة بالأرز. وطبياً يستخدم شاي أوراق العنب في حالات الدوسنتاريا ومن الطريف أن نذكر أن دولة (كندا) اتخذت من ورقة العنب شعاراً وضعته على علمها الوطني.
أما الحصرم وهو غض العنب فإن عصارته بعد مزجها بالعسل تنفع من وجع الأذن التي يسيل منها القيح، وإذا خلطت بالخل نفعت البواسير، والقروح المزمنة وإذ اكتحل بها أحدت البصر. وشراب الحصرم ينفع الحوامل، ويقوي معدتهن، ويمسك الجنين من أن يسقط، كما أنه يقطع القيء، والإسهال.