لم يشتهر في المملكة موقع يقدم الدعم الغذائي للفئات الأشد حاجة في المجتمع الأردني كما اشتهرت تكية «أم علي» هذه التكية التي استمدت اسمها من التراث الشعبي الأردني بعد ان أطلقت الأميرة هيا بنت الحسين اسم المغفور لها والدتها الملكة علياء الحسين على التكية تخليداً لذكراها «رحمها الله».

وتعتبر التكية الأولى من نوعها في الأردن من حيث توفير المستلزمات الغذائية اليومية للفئات الأشد فقراً لسد عوز الأسر من المساعدات العاجلة لقوت يومها وحفظاً لكرامة الإنسان عبر توفير أساسيات الحياة، وهي أساسا قد شيدت لذلك حيث يعاني الأردن من وجود ما يزيد عن 770 ألف مواطن أي ما نسبته 14 بالمئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر. وتريد «التكية» معالجة ظاهرة الفقر داخل المملكة عبر تقديم خدمات إعادة التدريب والتأهيل للفئات الفقيرة جنباً إلى جنب مع خدمات توفير الطعام والغذاء.

ويقع مكان تكية أم علي في موقع بارز في حي المحطة احد الأحياء الفقيرة في العاصمة الأردنية عمان ـ وسط البلد وذلك على نفقة سموها الخاصة. وقد استلهم مبنى التكية التراث الحضاري للمنشآت المماثلة، حيث يتألف من قسمين: القسم الإداري الذي يشتمل على عدة مكاتب ومخازن والقسم الخدماتي الذي يشتمل على قاعة كبيرة للطعام يمكن أن يقدم في وقت واحد 400 وجبة وعلى مطبخين. ونظراً لافتتاح التكية لأول مرة في رمضان فقد قدمت في وقتها بشكل استثنائي 1500 وجبة يومية، سواء للقاصدين إليها مباشرة أو بواسطة الجمعيات الخيرية.

وتم افتتاحها برعاية الملك عبد الله الثاني تحت شعار زالعيش كريمز حيث تفضلت سمو الأميرة هيا شخصياً في التاسع عشر من فبراير العام الماضي بإطلاق المشروع وافتتاح المقر رسمياً.وكانت التكية بدأت برامجها الخيرية في عام 2003 حيث قامت بتوزيع الوجبات الغذائية تحديداً خلال شهر رمضان المبارك.

وتقدر النفقات السنوية للوجبات المجانية حوالي ربع مليون دينار سنويا، أي أن التكية تحتاج إلى وقف/ وديعة نقدية لا تقل عن ثلاثة ملايين دينار يدرّ دخلاً ثابتاً حتى يضمن استمرارها في تقديم هذه الوجبات.ويقوم قسم البحث الاجتماعي في التكية لضمان وصول المساعدات لمستحقيها بإتباع معايير دقيقة في تحديد المنتفعين بالإضافة إلى الزيارات الميدانية ومن أهم هذه المعايير أن يكون معدل الدخل للفرد في الأسرة أقل من 15 دينارا بالإضافة إلى الزيارات الميدانية للفقراء في منازلهم.

وتتلخص أهداف تكية أم علي في مساعدة الطبقات الأقل حظاً بتقديم أدنى احتياجاتها من الوجبات الغذائية بتطبيق برنامج التغذية الداخلية وبرنامج المساعدات الغذائية الخارجية وكذلك بتوفير التغذية للطلاب الفقراء في جيوب الفقر عبر برنامج التغذية المدرسية، كل ذلك بالتوازي مع تقديم حلول طويلة الأمد لمشاكلهم عن طريق تطبيق برنامج إعادة التدريب والتأهيل وتشغيل الفقراء والعاطلين عن العمل.

وتتمحور برامج وخدمات التكية على أربعة برامج رئيسة: برنامج التغذية الداخلية في مبنى التكية المحتوي على مطعم مجهز لتقديم وجبات مجانية ساخنة إلى الفقراء والمساكين ويتسع إلى أربعمئة شخص في آن واحد ويتواجد هذا المطعم في منطقة المحطة، اما البرنامج الثاني فالمساعدات الغذائية الخارجية ويتخصص هذا البرنامج بتوفير الطرود الغذائية الشهرية للأسر في أماكن تواجدها وسكناها انطلاقا من عمان ويشمل جيوب الفقر في المملكة،

فيما تركز برامج التغذية المدرسية على عملية توفير وجبات غذائية بسيطة لطلبة المدارس، تحت إشراف اختصاصيين في التغذية لضمان نجاح هذا البرنامج في توفير وجبات صحية ذات قيمة غذائية عالية، فترفع من خلالها نسبة انتظام الطلاب في المدارس وتحارب الجهل من خلال استقطاب الطلاب الذين يتسربون من المدرسة بحثاً عن لقمة عيش يجدونها في البيع والاستجداء على تقاطعات الطرق والأسواق، كما وتحسن من حالتهم الصحية وبالتالي تزيد من تركيزهم على التحصيل العلمي فترفع من معدلات العلامات السنوية.

اما برامج إعادة التدريب والتأهيل وتشغيل الفقراء والعاطلين عن العمل فيشكل هذا البرنامج عمود التوازن لاستمرارية مشروع التكية، ولضمان توفير فرص عمل دائمة للفقراء من خلال برامج متميزة ومبتكرة لتأهيلهم ومن ثم تسويق خدماتهم إلى المجتمع المحلي، وقبل ذلك شراء بعض هذه الخدمات والمنتجات وتسخيرها في عملية إنتاج وتوفير الغذاء داخل مطعم التكية.

وتسعى التكية إلى «مكافحة الجوع» على المستوى الوطني بالإضافة إلى ما تقدمه سمو الأميرة هيا من دعم كريم وسخي مادي ومعنوي لهذا المشروع وبرامجه المتعددة فإن سموها ترغب بإتاحة الفرصة لكافة فئات المجتمع وقطاعاته من أجل تحمل مسؤولياتهم تجاه إخوانهم من الفقراء والمساكين عبر المشاركة في ما يستطيعون تقديمه من دعم سواءً كان مادياً أم عينياً أو حتى خدمات واستشارات

بالإضافة للعمل التطوعي لكي يبقى عمل الخير مشعلاً يضيء طريقنا جميعاً فقراء وأغنياء فنحيي بضوئه الأمل في نفوس من كان ابتلاؤهم في لقمة العيش ليحلموا بغد مشرق وعيش كريم. وقد عرف العالم الإسلامي نوعين من التكية: الأولى الزاوية الصوفية التي تقدم المبيت والطعام للمتصوفة، بالإضافة إلى اشتمالها على قاعة لحلقات الذكر والشعائر الأخرى،

والأخرى العمارة التي تقدم وجبات الطعام المجانية للمحتاجين في المدينة. وهناك من يرى ان نواة هذه المنشأة الجديدة (التكية/العمارة) برزت في وقت واحد تقريباً (القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي) في بلاد الشام (الخليل) والأناضول (بورصة وازنيق الخ).

ولكن النموذج الشامي (مطبخ الخليل) اقتصر على حاله بينما انتشر النموذج العثماني في الأناضول والبلقان وبلاد الشام وغيرها مع توسع الدولة العثمانية. وكان السلطان سليم الأول أمر خلال وجوده في دمشق في 923ه/1516 بإنشاء أول تكية/عمارة من هذا النوع في دمشق (التكية السليمية) مقابل الجامع الذي أنشأه فوق ضريح محي الدين بن عربي، التي لا تزال تعتبر من أقدم النماذج في المنطقة.

ووفق المراجع التاريخية الإسلامية فإ الوقفية الخاصة بهذه التكية/العمارة، بالإضافة إلى شهادة المؤرخ المعاصر ابن طولون (توفي 953ه/1545م)، في التعرف على ما كانت عليه هذه التكية/العمارة. فقد كانت تتألف من قاعتين واحدة للرجال وأخرى للنساء ومطبخ وفرن ومخزن للمؤن، وتقدم فيها مئتا وجبة مرتين في اليوم (للغداء والعشاء) حيث كانت تتألف الوجبة من رغيف خبز وصحن شوربة مع قطعة من اللحم.

وبعد هذه التكية تأسست عشرات التكايا في المنطقة (في دمشق والقدس وحلب والموصل وبغداد الخ) وبذلك أصبحت التكية/العمارة من أهم إسهامات الحضارة العثمانية الإسلامية، حيث كانت قد انتشرت قبل ذلك في البلقان وأصبحت تنتزع إعجاب الرحالة الأجانب بما يرونه من الخدمات التي تقدمها مثل هذه المنشآت.

وعلى الرغم من أن معظم هذه التكايا بقيت تعمل حتى نهاية الحكم العثماني، إلا أن التطورات السياسية والتعديات الفردية على مصادر الأوقاف التي كانت تمد هذه المنشآت بما تحتاجه جعلها تتوقف عن تقديم خدماتها.ومع أن المجتمعات المحلية في العقود الأخيرة أصبحت تحتاج أكثر إلى مثل هذه الخدمات (الوجبات المجانية) للمحتاجين فيها إلا أن الأمر بقي ينتظر حوالي قرن من الزمن حتى يقيض لمثل هذه المنشأة الحضارية من يهتم بها ويبعثها إلى الحياة من جديد.

عمان ـ لقمان اسكندر