لحسن صوته وقدرته على التلوين، استطاع الشيخ القارئ محمد عطية حسب ان يكون صاحب شخصية قرآنية مستقلة في التلاوة والأداء، وأصبح له لون يميزه عن الآخرين، وخلال رحلته القرآنية الطويلة في كل قارات الدنيا استطاع الشيخ عطية التمسك بأحكام كتاب الله وآدابه وظل ناطقاً بلسانه متمتعاً بسماحة وهدوء وسكينة أهل القرآن، وكان مقتدياً بأداء الشيخ محمد رفعت بحس قرآني يفيض رقة وعذوبة وجمالاً.
ولد القارئ الشيخ «محمد عطية حسب» عام 1936، في أسرة قرآنية حيث كان والده الشيخ «عطية» أحد حفظة كتاب الله عز وجل.. نشأ في جو روحاني وإيماني عميق أهله للاستجابة لتعليمات والده وتوجيهاته القرآنية التي أصقلت موهبته وملكاته وخصائصه التي ميزته وجعلت كل المحيطين به يقدمون له كل ما يؤهله لأن يكون من حفظة كتاب الله وقرائه، فتجلت موهبته ونبوغه في حفظ القرآن وتجويده قبل سن السابعة،
ولم يكتف الطفل بهذا ولكنه أقبل على ترتيل القرآن وتلاوته مقتدياً بأداء الشيخ «محمد رفعت» بحس قرآني يفيض رقة وعذوبة وجمالاً. وفي العاشرة من عمره أرسله والده إلى القاهرة ليتعلم أصول القراءات.. وفي عام 1950 التحق الفتى القرآني، «محمد عطية حسب» بالمعهد الديني بالمنصورة وكان عمره 14 سنة وهناك لقبه أصدقاؤه بالشيخ «محمد رفعت» واستمر معه هذا اللقب إلى ما بعد التحاقه بالإذاعة كقارئ بها عام 1971.
يقول الشيخ «محمد عطية حسب» عن تلك الفترة:« لقبت منذ طفولتي بالشيخ «محمد رفعت»، وكنت سعيداً جداً بهذا اللقب الذي لم يأت من فراغ وإنما كان يتطلب مني جهداً وحرصاً والتزاماً، لأن الذي يستطيع أن يفكر في الالتحاق بمدرسة الشيخ «محمد رفعت» يجب أن يحمل مؤهلات معينة أهمها.. إجادة وإتقان حفظ القرآن بأحكامه المتقنة وكذلك فهم معاني القرآن حتى يستطيع القارئ توصيل مراد الله إلى خلقه،
هذا بالإضافة إلى الأمانة والتقوى في التلاوة ومراعاة حق الله وحق كتابه، وأما ما يرضي العبد فيجب أن يكون متفقاً وما يرضي رب العباد.. ويعتبر الشيخ محمد عطية من القراء القلائل الذين قرأوا بجوار عمالقة القراء وخاصة بعد ما تفرغ لتلاوة القرآن، فكان يدعي وهو في الخامسة عشرة من عمره لإحياء مأتم بمصاحبة الشيخ «مصطفى إسماعيل»، وعدة مرات مع الشيخ «محمد صديق المنشاوي» والشيخ «البهتيمي» والشيخ «طه الفشني» وغيرهم.
أصول القراءات
كانت شهرة الشيخ «محمد عطية حسب»، والتي عمت أنحاء الوجه البحري سببا قوياً في البحث عن عالم متمكن في علوم القرآن وتجويده ليصقل موهبته ويعلمه مزيداً من أصول القراءات والتلاوة.. فسافر الشيخ محمد عطية إلى القاهرة ودرس على يد الشيخ «سيد سلامة» والذي اشتهر بالتمكن في تدريس علوم القرآن وتجويده وهناك استطاع الشيخ عطية أن يتقن القراءات السبع على يد شيخه «سيد سلامة» وتأهل ليأخذ مكانة مرموقة بين القراء في القاهرة والأقاليم،
وكان لوجود الشيخ «محمد» بالقاهرة الدور الأكبر في أن يلتقي بالمتمكنين من القراء والشغوفين بسماع الجيدين منهم.. ووجهت إليه الدعوات من كل أحياء القاهرة لمشاركة المشاهير من القراء في إحياء الحفلات والمناسبات الدينية.. وتمكن من خلال هذه اللقاءات من القراءة بجوار الشيخ «مصطفى إسماعيل»، والشيخ «محمد صديق المنشاوي»، وكان لقراءته الشبيهة بطريقة أداء الشيخ «محمد رفعت» أكبر الأثر في ذيوع شهرته وتعلق كثير من الجماهير به كقارئ، كما مكنه هذا الحب من زمالة الشيخ «عبد الباسط عبد الصمد» والشيخ «عبد العظيم زاهر» والشيخ طه الفشني وذلك قبل أن يكمل العشرين عاماً.
الشيخ حسب.. سفير القرآن
ونظراً لإمكانيات الشيخ «محمد عطية حسب» العالية في الحفظ والتجويد بالإضافة لحسن صوته وقدرته على التلوين استطاع أن يكون شخصيته القرآنية المستقلة في التلاوة والأداء، وأصبح أن يكون له لون يميزه عن الآخرين.. ومن هنا جاء التفكير في التحاقه بالإذاعة وخاصة بعد الشهرة الكبيرة التي حققها، والتي وصل من خلالها إلى أقصى الأماكن بمصر شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً.. وبالفعل تقدم الشيخ محمد عطية إلى الإذاعة واعتمد قارئاً هناك عام1971..
وظل يقرأ بها قراءات قصيرة بالإضافة إلى قراءته في الحفلات الخارجية والمناسبات المختلفة حتى وصل صوته إلى كل الأقطار يسمعه القريب والبعيد وتعيشت مع تلاوته كل مخلوقات الله من خلال أدائه الخاشع المعبر في قرآن الفجر عبر الأثير بصوت عذب شجي تألق مع الآذان وصافح القلوب فلم يجد السامع مشقة في تحديد صاحب الصوت المميز أول دقيقة فكان صاحب مدرسة تميزه بناها بالجهد والعرق والتقوى والتقرب من الله مراعياً آداب التلاوة ووقارها وما استأمنه الله عليه من حفظ كتابه ونقله إلى الناس.
في شتى بقاع الأرض لم يترك الشيخ «محمد عطية حسب» قارة من قارات الدنيا إلا وسافر إليها ليمتع المسلمين فيها بأدائه العذب وتلاواته العطرة لكتاب الله الكريم، وهناك وجد المسلمين في الدول البعيدة قلة في العدد ولكنهم كثرة بالقيم والعقيدة القوية الراسخة، وحرصهم الشديد على تعاليم الإسلام والاستماع إلى القرآن الكريم، وكان لجمهور الشيخ، في دولة الإمارات العربية المتحدة نصيب أكبر في الاستماع إليه في شهر رمضان من خلال قبوله للدعوات الثلاث المتتالية التي قبلها لتعلق جمهوره هناك بالاستماع إليه.
وظل الشيخ محمد عطية طيلة رحلة طويلة قضاها في رحاب القرآن الكريم متمسكا بأحكامه وآدابه، وناطقاً بلسانه، متمتعا بسماحة وهدوء وسكينة أهل القرآن.. كل هذه القيم والمبادئ مكنته من الإبداع والعطاء القرآني بكل ما أوتي من مواهب وإمكانات فهنيئاً لهذا القارئ الفريد الذي يحمل صوته أنغام الخشوع والجلال إلى أسماع الخلق أجمعين.
القاهرة ـ خالد محمد غازي
