على قدر ما بدا من لا مبالاة غربية بنشر الرسوم المسيئة للرسول تحت دعوى حرية التعبير كانت ردة الفعل في العالم الإسلامي تنطلق من رؤية تلتزم مجموعة من الضوابط الواجب الالتزام بها عند أي حديث عن حرية التعبير سواء انطلاقا من الإطار الإسلامي أم من الإطار الإنساني الذي تحكمه وتنظمه قواعد وقوانين دولية.
والفكرة العامة التي ينطلق منها أصحاب الرؤية التي تقوم على أساس إسلامي في هذه القضية هى أن حرية التعبير لا خلاف عليها وعلى كونها قيمة أساسية ولكن الحفاظ عليها وعلى ممارستها لا يمنحنا التفويض الكامل لقول ما نشاء وفي أي سياق اجتماعي وثقافي وبغض النظر عن النتائج والتأثيرات التي قد تحدث كردة فعل.
وعلى هذا الأساس فقد أبدى البعض دهشته من الخروج على المألوف في الفهم الغربي لمفهوم الحرية وحدودها حيث أن المعروف عن الفهم الغربي لمفهوم الحرية وفقا لهذا الرأى أن الحريات العامة في العالم الغربي مكفولة إلا اذا خرج الفرد عن حدود المسموح به فهو حينئذ يجد القانون يعاقبه.
وتمحورت النقطة الأساسية للمعبرين عن الرؤية الإسلامية حول ضرورة التفرقة بين حرية التعبير التي تعني أن يكون الإنسان قادرا على إبداء رأيه في المسائل التي تتباين فيها المواقف وبين الحدود التي لا يكون الأمر فيها متعلقا برأى وتكون تجاوزا لكل الأعراف الخلقية والحضارية.
غير أنه بعيدا عن الضوابط التي طرحها أصحاب الرؤية الإسلامية، فإن أزمة الرسوم كرست مظهرا آخر يمثل مجالا لأزمة ثقة في علاقات الإسلام والغرب والمتمثل في اتهام الغرب بالازدواجية في تعاطيه مع قضايا المسلمين. وهناك في هذا الخصوص وقائع عديدة تكشف عن أن شعار الحرية المطلقة الذي تم رفعه في قضية أزمة الرسوم غير قائم سوى للتذرع به في مواجهة احتجاجات العالم الإسلامي
ومن ذلك مثلا سحب اعلان فيلم يمثل السيد المسيح في صورة من الصعب وصفها غير أخلاقية وذلك إثر الاحتجاج الذي قام به بعض الرهبان، وكذلك سحب اعلان فيلم يمثل فتاة مكشوفة اليدين بحبل على شكل صليب. كما أن بعض المصادر ذكرت ان نفس الصحيفة التي نشرت الرسوم المسيئة للرسول رفضت نشر صور لا تليق بمنزلة النبي عيسى عليه السلام وهو ما يعني أن الجريدة تكيل بمكيالين وأن تذرعها بالحق في حرية التعبير ما هو إلا ستار تتخفي وراءه لحجب تطرفها اليميني.
وقد دفعت هذه النماذج المختلفة بصحيفة مثل الفيجارو في مقال نشر 6 فبراير الماضي الى التأكيد على أن العدالة يجب أن تنصف المسلمين بنفس القوة والحكمة التي نتعامل بها مع الأديان الأخرى. أما نقطة الضعف الكبرى في الموقف الغربي بشأن حرية التعبير سواء على خلفية قضية الرسوم أم غيرها ،
فيتمثل في الموقف من المحرقة اليهودية أو الهولوكوست ففي الوقت الذي كان الكثيرون فيه يدعون فيه الى تفهم نشر الرسوم في إطار الحديث عن حرية التعبير نجد أن هذه الحرية مصادرة فيما يتعلق بقضايا أخرى وعلى رأسها قضية المحرقة. وعلى حد تعبير فإنه قد يكون من الأمور بالغة الدهشة أنه يمكن لك في الغرب أن تنكر وجود الله دون أن يحق لك أن تنكر وقوع المحرقة.
وقد يكون من المهم هنا الإشارة الى صدور قانون في فرنسا عام 1990 يسمى قانون جيسو يحرم إنكار المحرقة وقد حوكم بناء على هذا القانون المفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي إثر إصداره كتاب «الأساطير المؤسسة للسياسات الإسرائيلية».. الأمر الذي كان يكشف، مع وقائع أخرى زيف مفهوم حرية التعبير وفق الرؤية التي جرت محاولة تصديرها إلينا.
مصطفى عبد الرازق
