قال تعالى: «أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها» (الأنعام: 122). قرأ نافع ويعقوب: «ميتا» بالتشديد، وهو أصل للتخفيف، الذي هو قراءة الباقين، والمحذوف من الياءين الثانية المنقلبة عن الواو، أُعلّت بالحذف، كما أعلت بالقلب، في نحو قولهم: (سيد). إذ أصله: (سيود).
ولا فرق بين القراءتين عند جمهور المفسرين، وأكثر اللغويين على أن الثانية لغة في الأولى. وقد جمعهما الشاعر في بيت واحد، فقال:
ليس من مات فاستراح بميّت
إنما الميّت ميّت الأحياء
هذا، وقد فرق بينهما بعضهم، فقال: الميت، بالتشديد، يطلق على من مات، بالتخفيف، وعلى الحي الذي سيموت. والميت، بالتخفيف، لا يطلق إلا على من مات. وقال بعضهم: الميت، بالتخفيف هو الذي خرجت روحه منه، وصار جثة هامدة، لا حياة فيها. أما الميت بالتشديد، فهو غالبا ما يعبر به عن الحي، الذي هو في طريقه إلى الموت الحقيقي، ينتظر أجله، وعندما يأتي الأجل، وتنزع منه الروح يصير ميتا. وهذا ما أشار إليه أحد الشعراء بقوله:
وتسألني تفسير ميْت وميّت
فدونك ذا التفسير إن كنت تعقل
فمن كان ذا روح فذلك ميّت
وما الميْت إلا مَنْ إلى القبر يُحمل
وقد فرق الله تعالى بينهما، فقال في التخفيف: «أيُحب أحدُكم أن يأكل لحم أخيه ميتا» (الحجرات: 12). قال بعض المعبرين للرؤيا: من رأى أنه يأكل لحم إنسان ميتا، فإنه يغتابه لقوله تعالى: «أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه مَيْتا».. وقال ابن عرفة: هذا مثل. أي: غيبته كأكل لحمه ميتاً. يقال للمغتاب: هو يأكل لحوم الناس.
وقال سبحانه في التشديد: «إنك ميّت وإنهم ميّتون» (الزمر: 30) وهو خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم، يخبره فيه بأنه سيموت، وأن خصومه الكفار سيموتون، هذا ما دلت عليه صيغة «ميّتٌ» بالتنوين، لأن الصفة المشتقة، إذا أريد بها المستقبل، جيء بها منونة، وإذا أريد بها المضي جيء بها غير منونة، والمراد به: التنبيه على أنه لابد لأحد من الموت.
ومن التشديد قوله تعالى: «ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميّت» (إبراهيم: 17) أي: لا يموت فيستريح. ونظيره قوله تعالى: «لا يموت فيها ولا يحيى» (طه: 74) قال القرطبي: ولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت، إلا ما روى البزي عن ابن كثير «وما هو بميّت»، والمشهور عنه التثقيل».