يقول الله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) (البقرة:261). يوضح المفسرون أن هذه التوجيهات التي تضمنها هذا الدرس تعد دستوراً دائماً غير مقيد بزمن، إلا أنه جاء تلبية لحالات واقعة كانت النصوص تواجهها في المجتمع، إضافة إلى وجود نفوس شحيحة ضنينة بالمال تحتاج إلى هذه الإيحاءات المؤثرة، كما تحتاج إلى ضرب الأمثال، وتصوير الحقائق في مشاهد ناطقة تبلغ إلى الأعماق.
ويقول أحدهم إن الدستور لا يبدأ بالفرض والتكليف، إنما يبدأ بالحض والتأليف.. إنه يستجيش المشاعر والانفعالات الحية في الكيان الإنساني كله.. إنه يعرض صورة من صور الحياة النابضة المعطية الواهية: صورة الزرع. هبة الأرض أو هبة الله. الزرع الذي يعطي أضعاف ما يأخذه، ويهب غلاته مضاعفة بالقياس إلى بذوره،
مشيراً إلى أن المعنى الذهني للتعبير ينتهي إلى عملية حسابية تضاعف الحبة الواحدة إلى سبعمئة حبة، أما المشهد الحي الذي يعرضه التعبير فهو أوسع من هذا وأجمل، وأكثر استجاشة للمشاعر وتأثيراً في الضمائر... إنه مشهد الحياة النامية، مشهد الطبيعة الحية مشهد الزراعة الواهبة، ثم مشهد العجيبة في عالم النبات: العود الذي يحمل سبع سنابل والسنبلة التي تحوي مئة حبة.
ويقول عن هذا الدستور: إنه يتجه بالضمير البشري إلى البذل والعطاء، إنه لا يعطي بل يأخذ، وإنه لا ينقص بل يزاد، وتمضي موجة العطاء والنماء في طريقها. تضاعف المشاعر التي استجاشها مشهد الزرع والحصيلة، إن الله يضاعف لمن يشاء. يضاعف بلا عدة ولا حساب، والله واسع عليم واسع لا يضيق عطاؤه... عليم بالنوايا ويثيب عليها...
ولكن أي إنفاق هذا الذي ينمو ويربو؟ إنه الإنفاق الذي يرفع المشاعر الإنسانية ولا يشوبها، الإنفاق الذي لا يؤذي كرامة ولا يخدش شعوراً، الإنفاق الذي ينبعث عن أريحية ونقاء، ويتجه إلى الله وحده ابتغاء رضاه. ويقول الفخر الرازي: قال القاضي رحمه الله: إنه تعالى لما أجمل في قوله: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة)
فصل بعد ذلك في هذه الآية تلك الأضعاف. وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته بالإحياء والإماتة من حيث لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق، لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب، لكان الإنفاق في سائر الطاعات عبثاً... ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً. ثم ربط المفسر هذه الآية بما قبلها من الآيات... وبين أن فيها إضماراً، والتقدير: مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة. وقيل: مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع حبة- ووضح وجوه الإنفاق بأنها تشمل جميع أبواب البر.
ولكن المفسر تساءل فقال: فإن قيل: فهل رأيت سنبلة فيها مئة حبة حتى يضرب المثل بها؟ الجواب عنه من وجوه:
الأول: أن المقصود من الآية أنه لو علم إنسان يطلب الزيادة والربح أنه إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبعمئة ما كان ينبغي له ترك ذلك ولا التقصير فيه فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر في الآخرة عند الله ألا يتركه إذا علم أنه يحصل على الواحد عشرة، ومئة، وسبعمئة، وإذا كان هذا المعنى معقولاً سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم يوجد كان المعنى حاصلاً مستقيماً، وهذا قول القفال رحمه الله وهو حسن جداً.
والجواب الثاني: أنه شوهد ذلك في سنبلة الجاروس، وهذا الجواب في غاية الركاكة.
وعن تقدير الحذف الذي ذكرناه آنفاً وهو مثل نفقة المنفق كمثل زارع حبة، يوضح لنا صاحب الحاشية تقديره فيقول: وتقديره في جانب المشبه أو المشبه به لتحصل ملاءمة المشبه والمشبه به، وإذا كان التشبيه مركباً لا ينظر فيه إلى المفردات، موضحاً ان أراد أنه من تشبيه المعقول بالمحسوس، وأن الذي دعا إلى هذا التقدير أنه لا يصح جعل (كمثل حبة) خبراً عن قوله: (مثل الذين ينفقون) كما يقول الشوكاني، وذلك لاختلافهما فلابد من تقدير محذوف إما في الأول: أي مثل نفقة الذين ينفقون، أو في الثاني: أي كمثل زارع حبة.
ويبين لنا الشوكاني أن المراد بالسنابل هنا: سنابل الدخن فهو الذي يكون منه هذا العدد، وقال القرطبي: إن سنبل الدخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر، على ما شاهدنا. قال ابن عطية: وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مئة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر، ولكن المثال وقع بهذا القدر، هذا ما قرره القرطبي.
وقال الطبري: إن قوله: (في كل سنبلة مئة حبة) معناه إن وجد ذلك وإلا فعلى أن تفرضه، وعبارة الطبري بالنص كما جاءت في تفسيره: فإن قال قائل وهل رأيت سنبلة فيها مئة حبة أو بلغتك فضرب بها مثل المنفق في سبيل الله ماله، قيل إن يكن ذلك موجوداً فهو ذاك، وإلا فجائز أن يكون معناه كمثل سنبلة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة إن جعل الله ذلك فيها.
ثم قال: فهذا لمن أنفق في سبيل الله والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. أما الخازن فقد قال في تفسيره: فإن قلت فهل رأيت سنبلة فيها مئة حبة حتى يضرب الله المثل بها؟ قلت: ذلك غير مستحيل، وما لا يكون مستحيلاً فضرب المثل به جائز، وإن لم يوجد في كل سنبلة مئة حبة إن جعل الله ذلك فيها. وقيل هو موجود في الدخن.
والزمخشري في تفسيره يؤكد على هذا المعنى فيقول: «فإن قلت: كيف صح هذا التمثيل والممثل به غير موجود؟ قلت: بل هو موجود في الدخن والذرة وغيرهما، وربما فرخت ساق البرة في الأراضي القوية المقلة فيبلغ حبها هذا المبلغ، ولو لم يوجد لكان صحيحاً على سبيل الفرض والتقدير.
ويقول ابن القيم: وتحث هذا المثل من الفقه، إنه سبحانه شبه الإنفاق بالبذر، فالمنفق ماله الطيب لله لا لغيره، باذر ماله في أرض زكية مغلة بحسب بذره وطيب أرضه، وتعاهد البذر بالسقي وتقي الدغل والنبات الغريب عنه، فإذا اجتمعت هذه الأمور، ولم تحرق الزرع ولا لحقته جائحة، جاء أمثال الجبال وكان مثله كمثل جنة بربوة.
وهي المكان المرتفع الذي تكون الحبة فيه نصب الشمس والرياح، فتربى الأشجار هناك أتم تربية فنزل عليها من السماء مطر عظيم القطر متتابع فروّاها ونماها فآتت أكلها ضعفي ما تؤتيه غيرها بسبب ذلك الوابل، وإن لم يصبها وابل فطل مطر صغير القدر يكفيها لكرم منبتها، تزكو على الطل، وتنمي عليه مع أن في ذكر نوعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل، فمن الناس من يكون إنفاقه وابلاً، ومنهم من يكون إنفاقه طلاً، والله لا يضيع مثقال ذرة.
يشير القرطبي إلى هذه الآية فيقول: في هذه الآية دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال، ولذلك ضرب الله به المثل. ثم ذكر الآية وذكر حديث «ما من مسلم يغرس غرساً..»، وختم حديثه عن هذه الآية بحديث روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوا الرزق في خبايا الأرض» يعني الزرع، أخرجه الترمذي.
ويقول أبو السعود في تفسيره: وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها حاضرة بين يدي الناظر. ويقول الألوسي: وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها حاضرة بين يدي الناظر، فهو من تشبيه المعقول بالمحسوس. ويقول النيسابوري: وهذا التمثيل تصوير للأضعاف سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم توجد على أنه قد يوجد في الجاروس أو الذرة وغيرهما مثل ذلك، وسبع سنابل مثل ثلاثة قروء في إقامة جمع الكثرة مقام القلة.
ويقول ابن كثير: هذا مثل ضربه الله لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته وأن الحسنة تضاعف بعشرة أمثالها إلى سبعمئة ضعف فقال: (مثل الذين ينفقون أموالهم)، ثم قال: وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمئة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل لأصحابها كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة.
وفي معرض حديث للإمام الأكبر الراحل د. عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الشريف عن هذه الآية وما بعدها يقول: وقد بدأ الله سبحانه، هذه الآيات بذكر ثمرات التصدق في سبيل الله: ترغيباً في الصدقة من أول الأمر، فمثل الذين ينفقون أموالهم في سبيله سبحانه، كمثل حبة غرست في الأرض فنبتت وأينعت وأثمرت سبع سنابل، ممتلئة موفورة، في كل سنبلة مئة حبة،
ويشير الله بذلك إلى أجر المتصدق ومقدار ما يخلفه الله عليه جزاء صدقته، هذا الأجر الذي يتضاعف فيصل إلى سبعمئة مثل... والإسلام لم يقتصر في تشريعه على الزكاة وحدها، بل دعا إلى الإنفاق في مختلف وجوه البر، وكتاب الله حافل بالآيات التي تحض على الإنفاق.
وهنا يعرض سؤال لماذا عبر القرآن بالحبة وأسند إليها الإنبات والمنبت هو الله عز وجل؟ يجيب عن هذا السؤال إمامان جليلان من أئمة التفسير، حيث يقول الألوسي عن الفقرة الأولى: وفي ذكره الحبة في التمثيل هنا إشارة إيضاً إلى البعث وعظيم القدرة، إذ من كان قادراً على أن يخرج من حبة واحدة في الأرض سبعمئة، فهو قادر على أن يخرج الموتى من قبورهم يجامع اشتركا فيه من التغذية والنمو.
أما عن الفقرة الثانية فقد أجاب عنها الزمخشري بقوله: ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء، ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منها سبع شعب لكل واحد سنبلة، وهذا التمثيل للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر، وقد أجاب البيضاوي بما أجاب به الزمخشري.
وفي تسلسل أخاذ يحدثنا د. محمد رجب البيومي الأستاذ بجامعة الأزهر عن آيات الإنفاق التي بدئت بقول الله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة). الآيات الخاصة بالإنفاق، ومع طلاوة أسلوبه ورنين عبارته فإننا سنختار منها قبسات بل لمحات حتى لا يتشعب الحديث، يحدثنا عن طبيعة النفس الإنسانية وأنها كنزة وحريصة بما طبعت عليه من خلال تحدث القرآن الكريم عنها. فوصفها بالشح والبخل وحب المال،
فكيف نقنع مثل هذه النفس الحريصة البخيلة؟ يقول: فلابد من أجراس تصلصل لتقرع القلوب، فتحيد بها عن الشح إلى الإنفاق، ولن يكون ذلك إلا بمضاعفة الأجر المرتقب ليعلم الباذل المتصدق أن بره لم يضع هباءً بل وضع في متجر رابح يدر عليه أضعاف أضعاف ما ينفق من مال، وهنا يقوم التصوير البلاغي بتأثيره النفاذ إذ يتحدث عن مضاعفة الأجر حديثاً يدفع الشحيح إلى المسارعة في البر، مسارعة من يضمن الربح الغانم والكسب الجزيل،
كما جاء في الآية الكريمة. لقد أخذت الحسنة تربو وتزيد حتى لتبلغ سبعمئة، كما توضع الحبة في الأرض فيتشقق عن عود يحمل سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، وهي بعد حبة واحدة ولكن الله يضاعف لمن يشاء، فلا شك إذن في مكافأته الغالية ذات الغيث المدرار، موضحاً من يستحق هذه المكافأة، وهم المخلصون الذين ابتعدوا عن التعالي بصدقاتهم على الفقراء، لا من جعلتهم يمنون عليهم أو جلباً للثناء إلى آخر ما قال.