الحرية مطلب إسلامي رصين تؤكد عليه الشريعة الإسلامية في مواقع عدة ورغم ذلك تطالعنا الكتابات الغربية بنماذج للتحرر تدعي أن هذا التحرر هو الحرية التي ينشدها الإنسان العصري، وفي ذلك مغالطة واضحة وتهديد لا محالة لنمو البشرية وتقدمها، فالنموذج الإسلامي للحرية هو أنسب هذه النماذج بشهادة بعض من المنصفين الغربيين.. وفي سبيل إيضاح هذا النموذج والوقوف على أهم مقوماته ومحدداته يأتي كتاب «الحرية في الإسلام» لمؤلفه الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق ـ رحمة الله عليه، والصادر عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف.
مؤلف هذا الكتاب هو قاض فقيه، يكتب في الأصول والتشريع والتاريخ كتابه المتعمق الدقيق، ولد بقرية من قرى الجزائر على حدود القطر التونسي، في أسرة تعتز بعراقة النسب، وحين بلغ الثانية عشرة من عمره التحق بجامع الزيتونة طالبًا، حتى نال الشهادة العالمية عن جدارة، ورأس تحرير مجلة «الأزهر» وتدرج في المناصب حتى اختير لاعتلاء منبر الأزهر الشريف.
في بداية كتابه يحاول الشيخ محمد الخضر حسين مؤلف الكتاب أن يقف على تعريف جامع مانع لكلمة الحرية فيقول: تُنبئ هذه الكلمة بسائر تصاريفها في اللسان العربي على معان فاضلة ترجع الى معني الخلوص، يقال: حر يحر، كظل يظل، حرارًا بالفتح بمعني عتق، والاسم الحرية والحر خلاف العبد والخيار من كل شيء والفرس العتيق والفعل الحسن والحر من الطين والرمل الطيب،
والحُرَّة ضد الأمة، وعليه بنى الصوفية اصطلاحهم في إطلاق اسم الحر على من خلع عن نفسه إمارة الشهوات ومزق سلطتها بسيوف المخالفة كل ممزق، وقال الإمام الجنيد فيما روي عنه: لو صحت الصلاة بغير القرآن لصحت بقول الشاعر: «أتمنى على الزمان محالاً.. ترى مقلتاي طلعة حر».
تعريف إسلامي للحرية
ويخلص الشيخ الخضر حسين بعد مناقشات مطولة إلى أن الحرية هي أن تعيش الأمة عيشة راضية تحت ظل ثابت من الأمن على قرار مكين من الاطمئنان ومن لوازم ذلك أن يعين كل واحد من أفرادها حد لا يتجاوزه وتفرد له حقوق لا تعوقه عن استيفائها، يد غالبة فإن في تعدي الإنسان الحد الذي قضت عليه أصول الاجتماع بالوقوف عنده ضربا من الإفراط ويقابله في الطرف الآخر حرمانه من التمتع بحقوقه ليستأثر غيره بمنفعتها وكلا الطرفين شعبة من شعب الرذائل، والحرية وسط بينهما على ما هي العادة في سائر الفضائل
ومن كشف عن حقيقتها المفصلة ستار الإجمال أشرف على أربع خصال مندمجة في ضمنها. أحدها: معرفة الإنسان ماله وما عليه، وثانيها: شرف نفس يزكي طويتها ويطهر نواياها من قصد الاعتداء على ما ليس بحق لها فلا ترمي بمهمتها إلا في موضع تشير اليه العفة ببنانها، وثالثها: إذعان يدخل به تحت نظر القوانين المقامة على قواعد الإنصاف ويستذله ريثما تحرر ذمته من المطالب التي توجه إلى ها باستحقاق، أما رابعها: عزة جانب وشهامة خاطر يشق بها عصا الطاعة.
الجهر بالباطل
ويوضح فضيلة الإمام الأكبر الراحل أنه يخال لبعض الناشئة أن الحرية حق يبيح لصاحبه أن يجهر بكل ما يقدم في فكره من الآراء وينشر في مقاله كل ما يؤلفه من الهجاء والأوصاف الشائنة كما يفعل الشاعر الخطيئة، مشيرًا إلى أن البعض تطرف وفسر الحرية بأسوأ تفسير وتأولوها على معنى امتثال واعتيد الهوى بإطلاق وتنفيذ الإرادة وإن مس غيره بأذى أو حجزه عن حق ثابت لا يعترض فيه نزاع، وترى كثيرًا منهم لا يتصور لها معنى سوى حمل السلاح تحت لواء القوة وإعماله في سبيل الاغتصاب.
ويؤكد الشيخ الخضر في كتابه أن الحرية الحقيقية تقوم على قاعدتين هما المشورة والمساواة، حيث إنه بالمشورة تتميز الحقوق، وبالمساواة ينتظم إجراؤها ويطرد نفاذها وكل واحدة من هاتين القاعدتين رفع الإسلام شملها وسواها، فقد قضت سنة الله في خلقه أن سلطة شرع الأحكام وتصريف الأوامر الزواجر لا تستقل وحدها بردع الخليفة وقيادتهم الى سابلة العدالة،
فكثير من الناس من يجري مع أهوائه بغير عنان، ولا يدخل بأعماله الاختيارية تحت مراقبة العقل على الدوام، فلابد إذن من سلطة أخرى تنفيذ تلك الأحكام المشروعة بالوسائل المؤثرة، وإن كره المبطلون كما قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في رسالة القضاء لأبي موسى الأشعري: وأنفذ إذا تبين لك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وتسمي بالسلطة القضائية،
وكان زمامها في عهد نزول الوحي بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم. يتولى الحكومة على الجاني ويباشر فصل النوازل بنفسه من غير أن يدور في حسبانه مسلم مطالبته بإعادة النظر في القضية أو استئنافها لدى غيره، وما كانوا يرون قضاءه إلا حكما مسمطًا، لعلهم يقينا أنه حكم الله لا يقابل بغير التسليم.
مبدأ الشورى
وينتقل المؤلف عبر صفحات كتابه إلى الحديث عن الشورى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يقول: وضم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السلطة القضائية فيما يخص الحق المدني سلطة التنفيذ يختص بحقوق الأمم، كإشهار الحرب وإبرام الصلح وتلافي أمر الهجوم، ولم يكن مع يقينه باستماته أصحابه في طاعته وتفاني مهجهم في محبته لينفرد عنهم تدابير هذه السلطة بل يطرحها على بساط المحاورة ويجاذبهم أطرافها على وجه الاستشارة عملاً بقوله تعالى: «وشاورهم في الأمر» (آل عمران: 159)،
وقد يترجح بعض الآراء بوحي سماوي كما نزل في قوله تعالى: «وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض{، مؤيدًا لرأي عمر بن الخطاب، في أساري بدر، أذن له ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالاستشارة وهو غنى عنها بما يأتيه من وحي السماء، تطيبًا لنفوس أصحابه وتقريرًا لسنة المشاورة للأمة من بعده،
وهكذا كان يحرص أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب على المشورة، تلك التي وضعها الإسلام وبنى عليها الخلفاء سياستهم ثم انتقض بناءه في دولة بني مروان ومنذ شعرت الأمم الآخذة بمذاهب الحرية بأنه الضربة القاضية على السلطة الشخصية طفقوا يهرعون إلى إقامة حكوماتهم على قاعدتهم المتينة.
ويري الشيخ الخضر حسين في كتابه أن الشورى سنة متبعة عند بعض الأمم من قديم الزمن وردت في قصة بلقيس وقصة موسى مع فرعون وزملائه وذلك مع اختلاف مكانة الملأ في كل قصة، ومن ثم لا تكون قاعدة المشورة من نواحي الحرية إلا إذا وضع مجرها الأول على قصد الحنان والرأفة بالرعية، وأما المشاركة في الرأي وحدها ولاسيما رأي من لا يطاع فلا تكفي في قطع دابر الاستبداد، وأهم فوائد المشورة تخليص الحق من احتمالات الآراء.
ركن الحرية الثاني
ثم ينتقل المؤلف الى موضع آخر يتحدث فيه عن المساواة ـ الركن الثاني للحرية مشيرا الى أن الإسلام فطرة الله التي فطر الناس عليها تنبنى على المساواة والعقوبة الموضوعة لا تفرق بين صعلوك وملك، ونظرًا إلى قاعدة المساواة. ويوضح المؤلف أن خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما جاءت خطبهم تأكيدًا على هذه المساواة حيث يخطب أبو بكر في الناس قائلاً: أيها الناس قد وليت على كم ولست بخيركم..
وكذلك يخاطب عمر بن الخطاب رعيته في بعض خطبه: إن كان بيني وبين من هو منكم شيء من أحكامكم أن أمشي معه إلى من أحبه منكم فينظر فيما بيني وبينه، وكتب الفاروق في رسالته إلى أبو موسى الأشعري قائلاً: ساو بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك حتى لا ييأس الضعيف من عدلك ولا يطمع الشريف في حيفك.
حرية التصرف في المال
ويتحدث الشيخ الخضر حسين في كتابه عن الحرية في الأموال ويؤكد أنها تعني إطلاق التصرف لأصحابها يذهبون في اكتسابها والتمتع بها على الطريق الوسط دون أن تلم بها فاجعة اغتصاب أو تتخطفها خائنة كيد واحتيال، وتقتضي ذلك الوقوف على طريقة اكتسابها والوسطية في التعامل معها والتمتع بها والاعتداء عليها..
ولما كان المال معونة على الدين ومادة لنشأة الحياة الطبيعية حتمت الشريعة الإسلامية السعي خلف اكتسابه وأذنت بكل عمل لا يتبع صاحبه بأذى ولا يلحق بغيره ضررًا، فلا حرج في جمع الدنيا من الوجوه المباحة ما لم يكن صاحبها عن الواجبات في شغل شاغل، بل عد المحققون في العلم الحرف والصناعات وما به قوام المعاش كالبيع والشراء والحراثة من فروض الكفاية يجب أن يقوم بكل صنف منها طائفة وإلا أثمت الأمة تمامًا،
فالسعي وراء تحصيل الرزق أمر مباح والإنسان حرفيه ما لم ينشغل بهذا السعي عن واجباته الشرعية. والطريق الوسط على حد وصف الشيخ الخضر حسين في كتابه، بحيث ان الشريعة لم تغادر صغيرة أو كبيرة من وجوه التصرفات في الأموال إلا أحصتها وعلقت عليها حكما عادلاً، وتألفت أحكام هذه الوجوه في سلك المناسبة مرتبة على أبواب المملوكات، أما أعيان أو منافع ويدور الكلام فيها على ثلاثة أنظار،
الأول: من جهة انتقالها، أما الأعيان فانتقالها على خمسة.. إحداها ما ينتقل من مالك إلى مالك بعوض،
والثاني: ما ينتقل من مالك إلى مالك بغير عوض، و
الثالث: ما ينتقل من مالك إلى غير مالك بغير عوض،
والرابع: ما ينتقل من مالك إلى غير مالك بالعوض،
والخامس: ما ينتقل من غير مالك إلى مالك،
أما المنافع فالعقد فيها على حزبين منه ما هو بغير عوض كالوقف ومنه ما هو بعوض كالإجازة والجعالة.
والنظر الثاني في سلك المناسبة يتعلق بالأموال من جهة وضع يد الغير عليها وهو على نوعين،
أحدهما: ما يكون بالرضا والإذن من صاحبه «الرهن» أو «العارية» أو «الوديعة»،
ثانيهما: ما كان بدون إذنه ورضاه وهذا إن كان المالك مجهولاً وكان المملوك معرضًا للضياع فهو «اللقطة»، وإن كان معلوم صاحبه فهو «الغصب»،
أما النظر الثالث في سلك المناسبة فهو أن المال الواحد قد يدخل في ملك متعدد فإذا توجه النظر إلى حال دخوله في ذلك الملك المتعدد وبقائه عليه فهو الشركة وإلا فالقسمة أو الشفعة.
