روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مَهْ، مَهْ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُزرموه، دعوه» قال أنس: فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن»، قال أنس: وأمر رجلاً من القوم فجاء بدلوٍ من ماء فسنَّه عليه.

هذا الحديث يظهر لنا خصلتين من خصال الخير اللازمة للمؤمن بصفة عامة وللمربي بصفة خاصة، وهاتان الخصلتان نلخصهما في سلوك النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك الأعرابي الذي يجهل الآداب الواجبة للمساجد، وهما الحِلم والرحمة. فقد أظهر الحديث الشريف حكمة تربوية عظيمة في تعامله مع ذلك الأعرابي تدل على حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رحمته وحسن سياسته، وهذا الخلق العظيم هو الذي جعل قلوب الناس وعقولهم تنقاد لرسالته من دون تردُّد.

فهذا رجل أعرابي دخل المسجد وقام يبول على مرأى من الناس وسمعهم، فاندهش الناس من تصرفه، وهمّوا بضربه وإخراجه من المسجد ومنعه من إتمام بوله، وهذا ما وضحته الرواية الأخرى للحديث حيث جاء فيها: «فقام الناس إليه ليقعوا فيه» ولكن الرسول الحليم منعهم من ذلك، وأمرهم بألا يقطعوا عليه بوله قائلاً: «لا تُزرموه» وعندما أتمّ بوله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه بإحضار دلوٍ من ماء وصبّه على ما أصابه بول ذلك الرجل،

فتطهير ذلك الجزء من أرض المسجد مهمة سهلة، ولكن استخدام الشدة والعنف في التعامل مع الجهلة وما ينتج عنه من انصرافهم عن الدين وكراهيتهم للداعين إليه، وتطهير قلوبهم من ذلك أمر في غاية الصعوبة، وهذا ما نبّه إليه الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه،

ثم دعا النبي الكريم هذا الرجل باللين والرحمة، دعاه ليعلمه ما كان يجهله من الآداب الواجبة للمساجد قائلاً له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة وقراءة القرآن»، فقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل ما لا يجوز عمله في المساجد، وما يجوز، بأسلوب هيِّن ليِّن، لا عنف فيه ولا تعنيف، ولا توبيخ ولا تقريع.

وأمام هذا الموقف التربوي الرفيع يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطانا درساً عملياً في تربية الجاهلين والتعامل معهم وأن الحِلم ضرورة لا بد منها للمربي ليكون ذلك الإنسان الحليم الذي لا يستفزه الغضب، إذا واجه ما يغضبه، ولا يتسرع بالعقوبة، بل يضبط نفسه مؤثراً رضا الله تعالى وهذا ما يحتاجه المربون والمعلمون في مختلف ميادينهم وتخصصاتهم ليحققوا الأهداف العظيمة في تعليم أبناء هذه الأمة والارتقاء بهم إلى أرفع الدرجات التي يرضاها لهم الإسلام.

د. أبوبكر الصديق