قال تعالى «ولا يحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة». والبخل ناتج من الخوف من الفقر، فهو يجعل الإنسان انانياً لا يشارك في الخير ولا يساعد الفقراء، ويكون أسيراً لفكرة المال إلى حد العبودية، وبذلك ينسلخ منه جزء كبير من إنسانيته، ويلهث جاهداً في طريق ليس له أول ولا آخر.

والبخل يحرم الإنسان من السعادة، لان السعادة لا تصاحب الخوف، بل هي من بذور الطمأنينة والإحساس بحلاوة الحياة وبساطتها، وانطلاقاً من الإيمان بالله الذي تكفل بكل شيء. وقد نظرنا فوجدنا البخل يهدف ترابط العائلة، فالأب الذي يطارده شبح الفقر والخوف منه مشغول عن تربية أولاده وعن الإشراف على شؤون عائلته.

كما أن البخيل مشغول بنفسه، فلا وقت لديه لتفقد ذوي الأرحام والجيران، ولا يواسيهم ويساعد محتاجهم بنفس راضية وشهامة. وكذلك فإن البخل يصيب الإنسان بالفشل وقتل مواهبه الحقيقية، لأنه يضع المال هدفاً ولا يهمه نوع المال إلى حد كبير، وبذلك يدخل في أعمال لم يؤهل لها، ظناً منه بأنها أقصر الطرق للهروب من شبح الفقر الذي يطارد خياله.

وما نهي الله عن البخل إلا لأنه يخلي الإنسان من الخصال الأصيلة كالوفاء والكرم والشجاعة والأمانة، ويجعل شبح الخوف هذه الخصال الكريمة نوعاً من المغامرة المخيفة. يتشكل الوجدان عند البخيل بشكل مادي بحت، بحيث يزن العلاقة بميزان المنفعة البحتة، فلا يخرج من الحياة بصديق ولا بعمل مثمر، ولا يؤدي رسالة،

ولا يحقق أي عمل كبير يهتز له وجدانه ويملأه بالإحساس بالأهمية والنجاح وتحقيق الذات. ان الشح هو الخوف من الفقر مع أنه ربما يكون غنياً، أو أغنى أغنياء البلد، كما يسيطر الوهم، احياناً على بعض البشر فيتوهم، انه مريض وليس بمريض، إلا أن هذا الشعور يعاني منه الإنسان بما يفوق معاناة المريض ذاته.

وجاء في الحديث أن (الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على ان سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) هذا هو الشح الذي أسوأ أنواع البخل وشرها، يحمل الإنسان على القتل والعدوان، فالمال أضحى معبود هذا الإنسان أو هذه الدولة، فربما شنت الدول العظمى حروباً على دول مستضعفة لمص دمائها واستغلال ثرواتها وإبقاء الهيمنة والتبعية لها،

كل ذلك من أجل المال، فالدنيا بالنسبة لهم كل حياتهم، وأي نقص في حاجاتهم أو رفاهيتهم مؤشر هلع وجزع وخوف من المستقبل، ذلك أنهم تربوا على المادية القاتلة، وفي هذه التربية لا محل للإنسانية ولا للقيم الأخلاقية، فالحصول على المال مسوغ لهم للحروب والخراب والدمار والتشريد.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: (واستحلوا محارمهم) فالشح المستوفي على النفس يدفع الإنسان إلى ارتكاب كل المحرمات والممنوعات والمكروهات، فينعدم ميزان الشرع والعقل ويتعطل كل نوازع الإنسانية، وربما سخر من الأخلاق التي تعارفت عليها البشرية، فالصدق والأمانة والإخلاص والشجاعة والكرم كلها معان فارغة لأنها عقبة في الحصول على ما يريد، وهذا نهاية في مستوى البهيمة المتوحشة.

إن الشح هلاك الإنسانية وتدمير لها، ينتج هذا الذي نراه في الدول الفقيرة الجائعة، فلا يريد ذلك السمين المترف ان يرى صور الملايين ممن يتهدده الجوع بل الموت، المهم عنده أن يزيد المليار إلى مليارين ويقسو قلبه بل يتحجر من الشعور بالآسى لأولئك المحرومين التعساء. هذه هي المدينة التي نراها إذا انعدمت من الأخلاق الإنسانية، فتصبح الأرض غابة متوحشة يأكل القوي الضعيف ولا يرحمه.

زكريا الطحان