يتعرض العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة لهجمة شرسة من كل قوى الغرب خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر التي فتحت الباب للنيل من الإسلام والمسلمين وأصبحت خريطة العالم الإسلامي ملتهبة، والمسلمون يتعرضون للأذى والتنكيل في شتى بقاع العالم. ولهذا كان لابد من التساؤل عن صمود الحضارة الإسلامية في وجه هذه الاعتداءات المكثفة والشاملة التي تأتي من كل مكان سواء من الداخل، أو الخارج،
فيؤكد المفكر الإسلامي د. محمد عمارة أن المسلمين الذين قهروا القياصرة والأكاسرة قادرون على استعادة ثوابتهم، بينما يلفت د. أحمد عمر هاشم النظر إلى روح المساواة التي نادى بها الإسلام.. فيما يؤكد الشيخ عبد الأمير قبلان أن العالم الإسلامي أول من نادى بحوار الحضارات.. بينما يحذر د. عبد الصبور شاهين من أن المسلمين قد دخلوا مرحلة غثاء السيل مزيداً من التفاصيل نتعرفها من خلال هذا التحقيق. في رأي المفكر الإسلامي د. محمد عمارة: إن أول ما ينبغي أن نبدأ به هو تعريف العالم الإسلامي. فقد اصطلح على إطلاق اسم العالم الإسلامي على البلاد ذات الحكومات التي أكثر سكانها من المسلمين، ولاشك أن هذا الاصطلاح عليه ملاحظات أهمها أنه يخرج كثيراً من الجماعات المسلمة في العالم من حسبانه مثل مسلمي الهند وغيرها..
في حين أن هناك آية قرآنية تجمع جميع المسلمين وهي قول الله تعالى (وأن هذه أمتكم أمة واحدة ) لذلك أرى أنه يجب أن نستبدل مصطلح العالم الإسلامي «بالأمة الإسلامية»، فنحن نعرف جميعاً أن المسلمين أمة مختارة، وقال الله سبحانه وتعالى(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) والوسط هذا ليس وسطاً مادياً بمعنى نقطة متوسطة بين نقطتين
وإنما المراد بذلك وسيطة العدل.. والمسلمون الأوائل استطاعوا أن يقهروا أكبر قوتين أو ما يمكن تسميته بالقواتين العظميين بالنسبة للعالم آنئذ وهما القياصرة والأكاسرة.. هؤلاء العرب المسلمون هم أنفسهم الذين لم يجرؤ أحدهم على التضحية بنفسه أيام الجاهلية لحماية الكعبة من قبل «أبرهه» وقال كبيرهم «عبد المطلب» جد الرسول صلى الله عليه وسلم «للبيت رب يحميه»!!
ويتساءل د. عمارة: ما الذي تغير فيهم؟ ويجيب: إنها قوة الإيمان التي طوعت نفوسهم وجعلتهم لا يضنون بأنفسهم ولابما لديهم في سبيل دينهم ووطنهم حولهم الإيمان من أناس عاديين إلى أبطال عظام تخشاهم سائر الممالك ويهابهم الجبابرة، لقد آمن المسلمون الأوائل بل والمسلمون في الجزر والبلاد النائية بقوله تعالى «إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم»
وإن هنا شرط ولا يتحقق الفعل إلا بتحقيق الشرط.. كان هذا حال المسلمين الأوائل.. أما الآن فإن الكثير من المسلمين يقولون إننا نجد المسلمين متخلفين، وإنهم متأثرون بالأحداث العالمية وغير مشاركين فيها، ولاشك أن السبب الرئيسي في ذلك هو عدم تمسك المسلمين بالإسلام.
ويضيف د. عمارة: ولكن هناك المعاملات التي تتعلق بمعاملة المسلم مع غيره وعلاقة الإسلام بالأمم الأخرى علاقة متميزة ولكن كثيراً من المسلمين لا يلتفتون بذلك ويعتقدون أن الإسلام الصحيح هو فقط العبادات ـ إما جهل أو ابتغاء الأسهل- فمن صلى وصام يكن مسلماً.. ولكن في حقيقة الأمر إن هذا ليس هو الإسلام فالدين المعاملة وعلى المسلمين حكاماً ومحكومين أن يتمسكوا بصحيح دينهم.
ويؤكد: ليس الإسلام بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، فالإسلام ليس مظاهر وطقوس فحسب وإنما حياة بأكملها.. من التزم بها ربح دنياه وآخرته ومن حاد عنها خسرهما معاً.
عصر غثاء السيل!
الداعية الإسلامي د. عبد الصبور شاهين: يتحدث بحسرة عن المسلمين الذين فاق عددهم المليار ومئتي مليون نسمة يمثلون 21 % من سكان الأرض أي ما يزيد على خمس البشر وقال: إنه لو كان العدد على قلب رجل واحد لكان لنا شأن آخر.. ولكن يبدو أننا قد دخلنا في عصر غثاء السيل كما قال نبينا 2,1 مليار مسلم ليس لهم أي تأثير في العالم، وليس لهم أي وجود اعتباري، بل ليس لهم أمر في مصائرهم وأنفسهم.
ويضيف: أما في حيث الرقعة الجغرافية فنحن أيضا نحتل 20% مساحة المعمورة، وقد ميزنا الله سبحانه وتعالى بميزات كثيرة لا نستحقها!! فقد حبانا تنوعاً جغرافياً هائلاً فلدينا الجبال بكنوزها والسهول بخصوبتها والصحراء بخيراتها المكتنزة.. لدينا السواحل والبحار.. والأنهار.. ولدينا الطقس الحار والمعتدل والبارد..
ومع ذلك فليس لنا كيان موحد كما كان في سابق عهدنا والمسلمون يحسبون عالمياً ضمن العالم الثالث أو العالم المتخلف.. وأهم من هذا كله أن الله سبحانه وتعالى قد ميزنا بأننا خير أمة أخرجت للناس لكن وضع لذلك شرطاً فقال «تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله». فماذا فعلنا بهذه الشروط الواقع أننا لم نأمر بمعروف ولم ننه عن منكر ولم نؤمن بالله حق إيمانه.
ويصف د. شاهين واقعنا الأكثر مرارة وهو الواقع السياسي فيقول: إننا لم نعد أمة واحدة وهذا شرط الله لكي نكون خير أمة، فالمسلمون الآن 46 أمة، 18 في افريقيا و26 في آسيا ثم الأقليات والواقع الإسلامي شديد التعاسة، فالبوسنة مثلاً يمكن اعتبارها دولة إسلامية، لذلك جرى عليها أبشع مجزرة يشهدها التاريخ الحديث، ورغم ذلك فإن 2 ,1 مليار مسلم ليس لهم أدنى صوت أو إجراء فيما يتصل بإخوانهم المسلمين في شتى أنحاء العالم.
ويؤكد أن الواقع العربي والإسلامي لا يبشران بالخير، بل على العكس، فإنه واقع مثير للسخط والتقزز والاشمئزاز، إذا لا توجد دولتان عربيتان متجاورتان إلا وبينهما مشكلات ولا داعي لذكر أمثلة فجميعنا يعلم ذلك.. إن هذا العالم التعس قد تمزقت فيه وحدة الأمة.
والنتيجة اننا أصبحنا نعيش في عالم لا يعطي لنا بالاً، أصبحنا مهمشين على خريطة العالم ولا يقام لنا أي ميزان، وللحقيقة فنحن نتعامل فيما بيننا أسوأ تعامل. فنحن نعيش أكذوبة اسمها النظام العالمي الجديد، وفي الواقع إنه لا نظام ولا عالمي، إن الغرب كله وقف بشكل مباشر أو غير مباشر ضد كل ما يحمل الهوية الإسلامية خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر.
ويختتم د. شاهين بأن على المسلمين الاهتمام والتركيز على الحضارة الإسلامية وتعليم أبنائنا كيف استطاع المسلمون في زمن من الأزمان أن يتقدموا في كل مجالات العالم من الطب والفلك والرياضيات والهندسة.. الخ وأن ندرك أن العالم الغربي محكوم عليه بالفشل فمجتمع يسمح للشواذ بدخول الجيش ويتعامل بمنطق دعه يعمل.. دعه يمر لا يمكن أن يستمر.. وأن نؤمن بأن الحق لابد وأن يظهر ويزهق الباطل.
المساواة
أما د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر فيؤكد أن الإسلام قام على المساواة بين المسلمين وغيرهم من القضاء وفي سائر المعاملات والتي تعتبر قمة ما وصلت إليه المعاملات الإنسانية العادلة في تاريخ البشرية جمعاء، فعندما شكا رجل من اليهود علي بن أبي طالب إلى الخليفة عمر بن الخطاب ، قال عمر لعلي: قم يا أبا الحسن فاجلس بجوار خصمك، فقام علي وجلس بجواره ولكن بدت على وجهه علامة التأثير وبعد أن انتهى الفصل في القضية.
قال لعلي: أكرهت يا علي أن نسوي بينك وبين خصمك في مجلس القضاء؟ قال: لا ولكني تألمت، لأنك ناديتني بكنيتي فلم تسو بيننا، ففي الكنية تعظيم، فخشيت أن يظن اليهود أن العدل ضاع بين المسلمين. ويضيف أن الإسلام كما راعى السماحة والمساواة بين المسلمين وغيرهم في القضاء، فإنه راعى السماحة في معاملة المسلمين لغيرهم لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، بل قرر الإسلام حماية أهل الذمة والمستأمنين ماداموا في دار الإسلام.
وأوضح د. عمر هاشم أن هذا الحق الذي قرره الإسلام لحمايتهم، يجب أن يعمل به أهل الأديان الأخرى في معاملة الأقليات الإسلامية، حماية لهم وتمكينا لعبادتهم، وحتى يتم التعاون بين عنصري الأمة ولننظر كيف أكد الإسلام على حقوق أهل الكتاب والمعاهدين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا من ظلم معاهداً أو انتقضه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ شيئا منه بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة».
وقال: إذا كان التسامح وحسن المعاملة وعدم التعصب، أموراً مطلوبة من المسلمين في معاملتهم مع غير المسلمين، فإنها كذلك مطلوبة من غير المسلمين مع المسلمين، حتى تتم معاملة كل طرف للآخر في دائرة التعاون والتضامن، مشيرا إلى أن سر انتشار الإسلام، واعتناق الناس له، ودخولهم في دين الله أفواجا، هو منهاجه الرباني، الذي أنزله رب العزة على رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا المنهاج الذي أمر الله فيه بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.
القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية

