أكد د. إسماعيل الدفتار المفكر الإسلامي، وأستاذ علم الحديث بجامعة الأزهر الشريف أن الدعاة المسلمين في البلاد ذات الأقلية المسلمة يحرصون على نقل الصورة الحقيقية للإسلام، داعيا في الوقت نفسه الدعاة الجدد إلى الإلمام بأصول القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
وأوضح أن هناك العديد من الأولويات التي يجب ترتيبها عند الحديث عن الإسلام كمنهج ودين سماوي حنيف، في ظل أن المسلمين يواجهون أزمتين حضاريتين لا يجوز تأجيل النظر في أمرهما، وقال د. الدفتار: إن منكري السنة النبوية الشريفة يتساوون تماما مع منكري القرآن الكريم.
* في إطار المحاولات المستمرة للغرب لتشويه صورة الإسلام.. تزايدت في الفترة الأخيرة محاولات التشكيك في السنة النبوية.. بماذا نرد عليهم؟
ـ تتعرض السنة النبوية لكثير من محاولات التشكيك من الدرجة الأولى وبعض أصحاب الاتجاهات الخاصة الذين ينتسبون للإسلام من بعض المذاهب.. هذا الذي أثاره وقدم عليه العلماء على مر الزمان في كل العصور وما يحدث الآن ما هو إلا ترديد لأقوالهم.. وعلى المسلم ألا يدخل في السنة ما ليس منها فكلها شبهات ليس لها قدم ولا ساق، والمفروض أن يتعلم المسلمون كيف حافظ علماء الإسلام على السنة النبوية المطهرة حتى وصلتنا موثقة وقد أحرزوا منها ما ليس محسوبا ضمنها وميزوا الصحيح من غيره،
وضمنوا ذلك في كتب وبالتالي فعلاج هذه القضايا أن يحرص المسلم على عقيدته وعلى طاعة الكتاب وطاعة السنة لأن طاعة السنة من طاعة القرآن الكريم ولابد أيضا أن يملأ نفسه وقلبه ثقة بأجيال المسلمين الذين سبقونا لأن الذين أوصلوا إلينا القرآن هم أنفسهم الذين أوصلوا إلينا السنة.
* لكن ماذا تقول في منكري السنة؟
ـ أقول فيهم إنهم منكرون للقرآن ذاته، فدعاة حرية الرأي هؤلاء يجهلون أن القرآن هو الذي أكد ضرورة طاعة الرسول بل جعلها من طاعة الله وألزمنا بالاقتداء به والاستجابة لأوامره والرضا بما قسم، كما إنه سبحانه أنزل القرآن وترك بيانه وتفصيله للرسول الذي أقام العبادات من صلاة وزكاة وحج ودونه كيف كنا نعرف طريقة الصلاة ومقدار الزكاة ومناسك الحج.. فأفعال الرسول إيضاح وتطبيق عملي لما جاء في القرآن ولهذا قال العلماء لا يمكن لأي داعية أن يدعو الناس للإسلام دون الحديث عن القرآن والسنة وإلا كان هناك خلل في المنطق الدعوي.
نشر الدعوة
* هل ترى أن الدعاة يقومون بواجبهم على الوجه الأكمل خاصة في البلاد ذات الأقليات؟
ـ الدعاة في البلاد ذات الأقليات المسلمة يحرصون على نقل صورة الإسلام وأسسه ومبادئه وينطلقون في المعاملة بالحسنى، فالأساس في الداعية الإسلامي أن يكون صحيح الإسلام ظاهراً وباطناً، ولابد أن يكون عالماً بالكتاب والسنة وعالماً بالواقع الذي يتحدث فيه لأنه عندما تنظر إلى أحاديث النبي وتعامله مع الوفود الذين كانوا يأتون إليه نجده يتعامل مع كل قبيلة ويرشدهم إلى أهم ما يناسبهم من الإسلام، فالداعية يجب أن يكون عالماً بالقرآن والسنة وبكل أمورهما.
الإسلام والغرب
* إذن ما يحدث للمسلمين من اضطهاد وعداء هل هو راجع لعدم الفهم الصحيح للإسلام؟
ـ تصور الغرب أن الإسلام عدوهم بعد الشيوعية وعاملوه على أساس هذا الاعتقاد والإسلام في حقيقته لا يعادي أحداً إلا أهل العدوان فلا يعادي من خالفه في العقيدة أو في السلوك، فهو ينصح ويوجه ولكن لا يعادي في المعاملات أو يعتدي على من يخالفه ومن قال إن الإسلام هو المعتدي فهو عدو للإسلام.
* الدعوة للإسلام تقتضي التدرج خاصة مع الأمم الغربية.. فما قولك؟
ـ هناك أولويات لابد من ترتيبها عند عرض الإسلام والدعوة إليه وهذا لاشك أنه مجال تكامل بناء الإسلام والأخلاق ضمانه والشريعة ترجمته العملية فالمحرمات كلها واجبة الترك.. ولكن دعوة الناس وكسب ولائهم والتوصل لإقناعهم يقتضيان التدرج وكثير من الناس يقفزون قفزا من كتب الفقه إلى المنابر دون توقف ليعرفوا واقع الناس وما هم فيه وأمر التدرج في معاملة النفوس واجب لهدايتهم،
فمثلا بعض الدعاة يبالغ في قضية الحدود فلا جدال في تطبيقها ولكن وضعها على رأس القائمة محل نظر، فهو التزام بما لا يلزم وتوريط لاسم الإسلام وحسب أولئك أن يبدأوا بكبريات المسائل وأساسيات الحكم العادل وتوفير قدر من الحرية والكرامة والعدل بين الناس وإعلان عزمهم على تنفيذ برنامج إصلاحي تتعاقب مراحله في أناة وروية ليتعرفوا على أحكام الإسلام مرحلة بعد مرحلة حتى يقبلوا على دخول الإسلام بلا رهبة.
أزمة العالم الإسلامي
* الأحوال التي يمر بها العالم تدفعني لتساؤل هل المسلمين الآن في أزمة؟
ـ المسلمون يواجهون أزمتين حضاريتين لا يجوز تأجيل النظر في أمرهما، أولهما أزمة داخلية وهي توقفنا عن العمل والإنتاج والعطاء وتثاقل الخطى في بناء النهضة المادية والأخذ بأسبابها، إضافة إلى انقسام الأمة على نفسها وانشطار الشعوب المسلمة ثقافياً بين ضرب ينطلق من مبادئ الإسلام وأصوله وتستولي عليه الرغبة الشديدة في بناء النهضة من جوف الحضارة الإسلامية،
وهناك ضرب آخر من المسلمين ساء ظنه بنفسه وحضارته وتاريخه كله فهو يتجه إلى طرح ذلك كله جانبا ويقول أنا مع الناس ويسعى إلى بناء النهضة على أساس قوانين الحركة والتطور التي أخذ بها الغرب وسار عليها وبنى نهضته على أساسها ولم يعد هذا الانشطار فكريا أو مذهبيا كما كان في أزمنة أخرى وإنما صار نوعاً من الحرب الأهلية الدائرة، باردة أحيانا وساخنة أحيانا ومشتعلة حارقة أحيانا أخرى.
* وماذا عن الأزمة الأخرى؟
ـ تتلخص الأزمة الأخرى وهي أزمة خارجية في أن العالم من حولنا يتجه إلى بناء نسق حضاري جديد ونظام للعلاقات بين الدول والشعوب أو يزعمون بأنه جديد.. والحملة علينا في هذا الوقت ضارية لا تتوقف.. فاستقر في أذهان العالم أننا معتدون جائرون لا رغبة عندنا في أمن أو سلام ولا مودة تجمعنا بغيرنا من الشعوب،
ومن ثم صوروا الإسلام على أنه دعوة للجمود وتعبد بظواهر النصوص ومصادرة لحقوق الإنسان وإن انتشاره يعني نشر الشر والفساد ولذلك يرون أنه لا مكان لنا في نظام العالم الجديد ولا دور لحضارتنا يمكن أن تؤديه لمعالجة أزمة الحضارة التي يعيشها الإنسان وهو يواجه هذه الأيام الآثار الجانبية السيئة والمدمرة لتعظيم الثورات العلمية والتقنية التي يأتي بعضها في إثر الآخر.
* وما هي رؤيتكم لدورنا في النظام العالمي الجديد الذي أشرت إليه؟
ـ هناك معالم جوهرية لمساهمتنا في هذا النظام تتمثل في الآتي: الإلحاح على وحدة الإنسانية جوهراً ومصيراً وضرورة تعاون شعوبها وتعارفهم، قال تعالى «يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» البدء بالإصلاح بالدوائر القريبة وهذا ما ينفرد به الإسلام، فالإسلام سلام مع النفس والزوجة والولد والجيران وعشيرة المؤمنين ثم الدنيا كلها.
الحوار مع الغرب
* أشرت في حديثك إلى النظام الجديد الذي يطلقون عليه العولمة وكيف يمكن أن نتعامل معه من خلال مفهومك لوحدة الإنسانية فكيف نقيم حوارا مع الغرب؟
ـ هناك مقولات كثيرة عن الصراع بين الغرب والمسلمين وصراع الحضارات وكلها أمور ومصطلحات، موضوعة فهناك نقاط التقاء أوضحها كثير من المفكرين - بيننا وبين الغرب.. فكلاهما حضارة إيمانية وكلاهما يؤمن بالإنسان وحرياته وبالتعددية كما أن كلا من الحضارتين تعاني من تيارات متطرفة وأن كانت جانبية أو هامشية،
فالعالم الإسلامي به تيار لا يعبر عن روح الحضارة الإسلامية، والعالم الغربي به حركات وتيارات وإباحية، وكل ذلك يؤكد ضرورة البدء في الحوار ، ولكن على أسس موضوعية وبعيدا عن لغة التعالي أو الشك، وأعتقد أن الحوار بين الغرب والإسلام يمكن أن يشمل قضايا كثيرة تشمل الدين والنظرة إلى الكون والمجتمع والإنسان وعلاقته بالآخر.
* وما هي الأهداف التي يمكن تحقيقها من خلال هذا الحوار؟
ـ هناك أهداف كثيرة ، فبالحوار والإصرار عليه يمكن تحقيق المعجزات وإذا كنا نهدف إلى مصلحة الإنسان وخيره وأمنه فإن هناك أمورا كثيرة لابد من الاهتمام بها في أي حوار يتم بين الجانبين ومن بين هذه الأمور، البحث عن صيغة للتعاون في مجال تعميق القيم الروحية والأخلاقية من أجل إنقاذ الإنسان من إسار المادية الطاغية التي جعلت منه عبدا للمال والمتعة المادية، التعاون في حماية المجتمع من التطرف والجريمة المنظمة والإرهاب والمخدرات، العمل على تصحيح التصورات الخاطئة عن الإسلام لدى الغرب في كل المجالات.
إلا أن ما يحزنني أن كل من يتكلمون عن حوار الحضارات وأهميته لا يحركون ساكنا ولا يحاولون الانتقال إلى تطبيق النظريات الكثيرة التي ملأت آذاننا ومللنا منها فكل ذلك بدون تحرك فعال لا فائدة ولا طائل من ورائه، فالمسلمون يحتاجون لمن يتبنى قضيتهم ويوقف الاعتداء عليهم فنحن أمة مسالمة ديننا دين أمن وسلام والعالم كله يرى ما يحدث للمسلمين في فلسطين وأفغانستان.
* هل ترى أن فلسطين هي الأساس لكل ما يحدث الآن من أحداث ساخنة؟
ـ أنت محق في ذلك.. فالقدس لا تمثل مجرد قطعة من الأرض ولا مجرد مكان مقدس يضم المسجد الأقصى إنما هي تمثل عقيدة وتاريخاً بالنسبة للمسلمين ولا يصح التفريط ولو في حبة رمل من أرض بيت المقدس، فالمسجد الأقصى يمثل عقيدة وتاريخا ومبادئ بالنسبة للمسلمين.. وفي أكثر من مناسبة أحاول أن أذكر الناس بهذه المعاني وبالتالي فإن مسألة العقيدة في التاريخ وهي مسؤولية بالنسبة لكل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها وإن المسؤولية الكبرى يدركها الفلسطينيون أنفسهم وأعتقد أنهم يسيرون على النهج نفسه وعلى الدرب نفسه في تحمل المسؤولية.
* ماذا تعني بالمسؤولية؟
ـ أقصد بها مسؤولية الصمود والإصرار والصبر والمصابرة.. فالرسول كما علمه ربه يدرك ما يحدث في المستقبل، ولذلك كانت توجيهاته لمواجهة هذه الأحداث، ففي حديث عنه يقول فيه «ليوشكن أن يأتي على الناس زمان لو أن لأحدهم في الأرض مثل شطن الفرس بحيث يجري منها بيت المقدس يكون خيرا له من الدنيا وما فيها»، وشطن الفرس المقصود به حبل الزمام الذي يقاد به الفرس ومعنى هذا أنه لا يصح التفريط في بيت المقدس.
وهذا الواقع يفرض على المسلمين المساعدة والمعاونة ولا أقصد بها المساعدة بمعناها القاصر بأن تنظر أحداثا يحدث فيها قتلى ويستشهد فيها الكثير من الناس ثم تقول المعاونة للأرامل والأيتام ولكن المعونة تكون بالتصدي والصمود وتكون بالفكر وبالرأي والقلم والكلمة وبكل الوسائل التي يمكن أن يتوصل إليها الإنسان لمساعدة إخواننا الفلسطينيين في التصدي للصهاينة المعتدين حتى نخلص بيت المقدس منهم فالقتلى منهم شهداء تحسبهم عند الله وإن وعد الله لآت.
* وما تفسيرك لما يواجهه المسلمون خلال السنوات الأخيرة بسبب أحداث سبتمبر من العام 2001؟
ـ الدين الإسلامي يدين الإرهاب أو يستنكره وما حدث في أمريكا عمل إرهابي.. ولكن في الوقت نفسه لا يمكن أن يكون الانتقام بهذه الصورة الوحشية. فلا يعقل أن أقابل الإرهاب بالإرهاب فالصورة مظلمة هناك.. آلاف المواطنين فروا تاركين أرضهم ووطنهم خوفا على أنفسهم ومئات يقتلون بدون ذنب..
فلا يتصور أحد أنه لكي أقبض على فرد واحد أقتل آلاف الأبرياء، فلابد أن تعيد أميركا حساباتها في مواجهة الإرهاب وتستمع لنصائح الدول الصديقة خاصة التي عانت من ويلاته، وتعتمد الحق لأصحابه في فلسطين وتوقف طغيان اليهود وزعيمهم «شارون»، إذا حدث هذا فلن يكون هناك إرهاب لأنه سيكون فقد أسباب وجوده.
