في مجتمع يشهد نهضة عمرانية كبرى، على نحو ما نرى اليوم في الإمارات، لا بد للعمارة المسجدية من أن تحظى باهتمام فائق، وبمتابعة دائبة، ليس من المعماريين وحدهم، ولا الدوائر والجهات المعنية وظيفياً فحسب، وإنما من المجتمع كله، بأمه وأبيه، بشرائحه وفئاته، أياً كان تعدد اهتماماتها وتنوع همومها.
هذا يرجع، في المقام الأول إلى طبيعة القضايا التي يتعين على المجتمع أن يخاطبها، ويتعامل معها، ويصل إلى حد أدنى من الإجماع بشأنها، في غمار معالجته لكل ما يتعلق بالعمارة المسجدية.فهناك القضية الكبرى المتعلقة بمسجد الدولة، وبالتبعية ذلك التباعد بين بنى الأشغال العامة الكبيرة وبين نسيجها الحضري، حيث لكي تتكامل أبعادها الرمزية لا بد لها من أن تقوم بذاتها، على بعد من مكونات ذلك النسيج.
وهناك أيضاً درجة النجاح التي تحققها الأشكال المعمارية الحديثة والجديدة وتقبل السكان لها، والمثال الشهير في هذا الصدد هو مسجد بن مدية، الذي يقع قاب قوسين أو أدنى من ميدان بني ياس في ديرة دبي، والذي على الرغم من لغته المعمارية الحداثية لم يحظ فقط بالقبول من أبناء منطقته، وإنما أيضاً بالحماس له والفخر والاعتزاز به، باعتباره واحداً من أهم الكنوز المعمارية في دبي والإمارات كلها.
وتبرز أيضاً قضية الوضوح البصري للمساجد في بيئة البناء الحديثة، حيث يتعين أن تواصل المساجد تمتعها بوظيفتها كنقاط إشارية قوية الحضور، رغم ضخامة الأبنية التي تقام حولها، أو قريباً منها.ويحظى مكان الأشكال التقليدية في المساجد المعاصرة بأهمية كبيرة، والمثال الأكثر بروزاً هنا هو مجموعة المساجد الحديثة المطلة على بحيرات الشارقة، والتي أعتقد أنها لم تنل ما تستحقه من اهتمام بها ومتابعة لجمالياتها ومناقشة لعناصر الأداء الإنشائي والمشروع الزخرفي في إطارها.
هذه القضايا كلها مهمة بالتأكيد، وعلى الدرجة نفسها من الأهمية العلاقة بين السياق الاجتماعي والشكل المعماري في مساجد الإمارات، وما تطرحه من أسئلة، لم تحظ حتى الآن بأي نقاش جدي حتى في الدوائر المتخصصة. لكن قضية مهمة تبرز في غمار هذا كله، قد لا يكون من قبيل التجاوز وصفها بأنها تندرج في نسيج المسكوت عنه، يوجزها سؤال يصرخ عبر الصمت هو: أين العمارة الأهلية وسط كل هذه التجليات المعمارية وبصفة خاصة في سياق العمارة المسجدية؟
إذا أردت أن تعرف جانباً من أبعاد الأهمية الفائقة لهذه القضية ـ السؤال، فدعنا نتأمل الملامح البهية والنادرة لمسجد المرحوم الشيخ محمد بن سالم القاسمي في رأس الخيمة.هذا المسجد يحيل بامتياز إلى تقاليد العمارة الأهلية التي ضربت جذورها على امتداد قرون في هذه الأرض الطيبة.إذا شئت أن تبحث عن جد أعلى لهذه العمارة الأهلية البهية، النادرة إلى حد الحزن، والجميلة على نحو يعصر القلب، فقد أسمح لنفسي بأن أحيلك إلى مسجد البدية، الذي يعود تاريخه إلى قرون عدة.
هذا المسجد المتألق في رأس الخيمة واحد من قلة قليلة من الأبنية التي تؤكد لنا أن هذه العمارة الأهلية لا ينبغي أن تقترن فقط بالقديم والأثري والتاريخي، وإنما هي إلى جوار هذا كله قادرة على أن تكون جزءاً من حياة الناس، وأن تواصل الحياة بهم ومعهم، لأن حياتها في تمسكهم بها واقتناعهم بأنها قادرة على أن تواكب حياتهم امتداداً إلى أجيال المستقبل.
على الرغم من اختزال العنصرين الأكثر دلالة ورمزية في المساجد، وهما المئذنة والقبة، إلا أن هذا المسجد لا يفقد شيئاً من حمولاته الرمزية القوية، التي تتركز على البروز الخارجي الدال لحنية المحراب، وعلى «العرائس» التي تحف بالسقف، كأنما هي أكف ترتفع ضارعة إلى السماء، والمدخل الذي يحمل لمحة زخرفية تستمد بهاءها من ذاتها، ومن تألقها وسط تقشف كتلة المسجد.
العين لا بد أن تتوقف عند الكتلة القوية لبيت الصلاة في هذا المسجد، التي يرتفع سقفها استناداً إلى غابة من الأعمدة الممتدة في بساطة ونقاء وتقشف، مرددة أصداء العمارة النجدية، ومنفصلة عنها في آن.السقف التقليدي له جمالياته الخاصة، حيث التوظيف البديع للخشب، وهو التوظيف الذي سنجده في العديد من العناصر، كالأبواب والمحراب، ويختزل المنبر إلى أبسط أشكاله، فيما تظل له جمالياته الرقيقة.


