كانت التجربة السياسية المرة التي خاضها الشيخ محمد عبده، وحصيلة خبرته القاسية، دفعته أن ينأى بنفسه عن هذا الميدان، ويقتنع اقتناعاً كاملاً بينه وبين نفسه أن هذا ليس طريقه، فكفر بالسياسة وألاعيبها، فطلقها بعد أن لعنها، ومن ثم ولى وجهه شطر ميدان الفكر الديني وتوسع فيه وبدأ يعمل بجد واجتهاد عن طريق المنهج الذي آمن به، وهو النزعة العقلية التي حاول أن يطبقها على أكثر من مجال.
كانت قوة كلماته مؤثرة في مجال تحرير العقلية العربية من كم الخرافات التي سيطرت عليها، وتنقية العقيدة مما لحق بها من هوس المتأخرين، والمتاجرين في الدين، وغفلة العامة وشعوذة المشعوذين فأنكر على العامة والخاصة، زيارة قبور الأولياء والتمسح بها والطواف حولها ونذر النذور لها، والاستعانة بها في قضاء الحوائج، والاستغاثة بها في تحقيق المآرب، لأن هذا عودة إلى الجاهلية الأولى، وشرك بالله، في حين أن الإسلام كان من أولى أولياته تحرير الذات الإلهية من شبه المشبهين،
وأفعايل المشتركين وتصورات المنافقين. رفض هذه الاحتفالات السخيفة التي يعقد فيها حفلات الرقص والذكر والصراخ والزعيق ويختلط فيها الحابل بالنابل والرجال بالنساء، وتشيع فيها الفاحشة والمنكرات، وكان منها عادة «الدوسة» إذ كان ينام بعض مريدي الشيخ وخلصائه على بطونهم في صفوف متراصة ثم يدوس سيدنا الشيخ على ظهورهم وهو يمتطي صهوة فرسه، حتى تحل بهم البركات،
وتفيض عليهم الكرامات من خزائن سيدنا الشيخ المجهولة والمليئة بالأسرار، فأبطل هذه العادات المتخلفة، التي لا تمت للدين بصلة، بل هي إهانة للعقلية المسلمة، وهدم للميراث الإسلامي، وأعلن بصوت واضح أن الإيمان الحقيقي الصادق، يكون في التقرب إلى الله بالعمل الصالح، والنية الخالصة، والإخلاص في حسن المعاملة وحسن أداء العمل واتقانه وتنفيذه على خير وجه، والوفاء بالوعد والعهد، وبذل الجهد لترقية المجتمع،
وحل مشكلاته التي أهمها الفقر والجهل والمرض، هذا الثالوث الخطير، الذي أنهك قوى الشعب ومحا شخصيته وميع هويته، وغيب وعيه، وتركه يعيش في الكهوف المظلمة، وغياهب التاريخ وأصبح كما مهمملاً لا يؤبه له، ليس له دور ولا هدف، ولا كرامة صار نسياً منسياً بعد أن جثم الاستعمار على صدوره، وأصبح مخزن لموارده وإمداده بما يلزمه من الحبوب والمعارف.
هنا يأتي دور الشيخ محمد عبده في حثه الأغنياء على بذل المال والجهد في إنشاء المدارس يقول «إن على الأغنياء منا الذين يخافون من تغلب الغير عليهم وتطاول الأيدي الظالمة إليهم، أن يتآلفوا ويتحدوا ويبذلوا من أموالهم في سبيل افتتاح المدارس والمكاتب واتساع دوائر التعليم حتى تعم التربية وتنبت في البلاد جراثيم العقل والإدراك وتنمو روح الحق والإصلاح» علاوة على ذلك شارك في إنشاء الجمعية الخيرية الإسلامية التي نهضت لبناء المدارس لطبقة عوام الناس الفقراء، حتى لا يكون التعليم قاصراً على طبقة الأغنياء،
وكانت أمنيته أن عوام الناس الفقراء، حتى لا يكون التعليم قاصراً على طبقة الأغنياء، وكانت أمنيته أن يعم التعليم المتوسط والعالي البلاد لكي يتسنى لطبقات الشعب أن تتذوق العلوم والفنون واللغات.. فالعلم قوة ويقاس تقدم الأمم بما حصلته من علم، والعلم صنو الحرية فما ذهب العلم إلى بلد إلا هتف بالحرية فكلما اتسع أفقنا بالعلم ازددنا إدراكاً لميادين الحرية، حرية القول وحرية التعبير وحرية العمل.