على رغم قلة ما نشر من شعره في (ديوان إسماعيل صبري باشا) عد من شعراء الطبقة الأولى في عصره، وثقافته الوظيفية: الحقوق، وعُد في شيوخ الإدارة والقضاء في مصر، وتدرج في الخدمة إلى وكيل وزارة الحقانية (العدل) وأبى مِنْ مقابلة الحاكم الإنجليزي لمصر (كرومر) فقيل له: إنه يريد التمهيد لجعلك رئيساً للوزراء، فقال لهم: لن أكون رئيساً للوزراء وأخسر ضميري (أي لن يتولى ذلك المنصب تحت راية الانجليز).
وفي ترجمة صبري قال الدكتور ضيف إنه في الشعر كان يُرسل نفسه على سجيتها، فالشعر ينبغي أن يكون صورة صاحبه قبل أن يكون صورة القدماء.. وحسب الشاعر أن ينظم البيتين والأبيات القليلة يسجل خاطرة أو لمحة أو معنى من المعاني، وبذلك لم يكن إسماعيل صبري من أصحاب القصائد الطوال، وإنما كان من أصحاب المقطعات والقصائد القصار، وكانت ظروف عيشه الرغد تتيح له أن لا ينظم إلا بما تواتيه به السجية....
وكانت مي زيادة قد خصصت يوم الثلاثاء من كل أسبوع لاستقبال زوارها في ما عُرف بـ (صالون مي) واضطر اسماعيل صبري بسبب السفر إلى التخلف عن ذلك اللقاء، فبعث إليها بهذين البيتين، وجعل وصولهما وقت انعقاد اللقاء، وهما:
روحي على دور بعض الحيّ حائمةٌ
كظامئ الطَّير توّاقاً إلى الماء
إن لم أُمَتِّع بميٍّ ناظريَّ غداً
أنكرتُ صُبْحَك يا يوم الثلاثاء!
والبيتان فوق ملاءمتهما للمناسبة المذكورة يشيران إلى أسلوب الشاعر في تكثيف الفكرة الشعرية، وتقديمها إلى القارئ كافية وافية، مُغنية عن الكلام الطويل.وتحدث عن طيف صورة الحبيب في قطعة من بيتين اثنين، وفيهما أناقة العبارة وحيوية الفكرة على رغم قدم الأدوات والأساليب، قال:
يا حاجباً عن عيوني طيف صورته
ابعثه مستتراً في ليلة الأرق
ولا تخف من ضيا صبح الجبين فقد
عرفت فرط سواد الشعر والحدق
ودخل كنيسة في باريس فرأى مكتوباً على عقرب إحدى ساعاتها «كلهن جارحات والأخيرة قاتلة!». يراد ساعات العمر، والساعة الأخيرة، فكتب تعليقاً على ذلك:
كم ساعة آلمني مسُّها
وأعجبتني يدها القاسية
فتّشتُ فيها جاهداً لم أجدْ
هُنيْهةً واحدةً صافية
وكم سقتني المر أختٌ لها
فرُحْتُ أشكوها إلى التاليه
فأسلمتني هذه عُنوةً
لساعةٍ أخرى وبي ما بيه!
واستمر إلى أن قال في آخر القصيدة:
هذا هو العيشُ فقد للذي
تجرحهُ الساعةُ والثانية
يا شاكي الساعات اسمع عسى
تُنجيك منها الساعة القاضية!
ووُجد في مكتبه على غلاف كتابِ مطبوع هذه الأبيات مكتوبة بخطه وعنوانها في الديوان «إلى حسناء»، وهي:
يا فتاة الحي قد أذكرتنا
نظرة الروض وميل الغُصنِ
أي لحن ترجمت تلك الخُطا
عنه للعين هناء الأُذن
عارضي البدر إذا لم يعترف
لك بالحُسنِ بوجهٍ حَسنِ!
وقد أثنى أستاذنا د. شوقي ضيف على غزليات إسماعيل صبري وقال إنّ «يبلغ من غزله الوجداني قمة لا يدانيه فيها شاعر مصري من جيله» وقال إن في شعره المذكور رقة وعذوبة وقرباً شديداً إلى النفس...إلخ.
ومن أصدقاء الشاعر الكاتب اللبناني سليم سركيس (توفي 1925) نزيل مصر وهو محرر عدد من الصحف، وفي الديوان قطعة يهنئ فيها صديقه بمولود له سمّاه (أنور) وقد كتبت القطعة تحت صورة المولود، وهي:
هذا شبابك يا (سليم) تزينهُ
تلك الخلال الغُرّ والأخلاق
حاكاك أنور مثلما حاكيته
في ما مضى فتبارك الخلاَّقُ
أنت الذي علمته نقل الخطا
وأريْتَهُ أنّ الحياة سِباقُ
وقد خرج الشاعر من فكرة المشابهة بين الأب وابنه إلى فكرة أخرى مستوحاة من الصورة، وهي فكرة السباق في مجالي الحياة مما يعلمه الوالد لولده ويدله به على عبور دروب الحياة، ابتداء من تعلم المشي ونقل الخطوات.
