الأمانة مطلب إسلامي حقٌ ثقُلَ على الجبال، قال تعالى: « إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً»، وصاحبها هو العفُّ الأمين الزاهد النزيه، ومضيّعها هو المنافق الخائن الجاحد اللئيم، فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «آيةُ المُنافقِ ثلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعدَ أخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ

والأمانة أمر جامع لما كُلِّف به الإنسان أو استُؤْمن عليه، وبهذا تشمل حقوق الله عليه كالفرائض وتشمل حقوق العباد كالودائع، وينبغي على الإنسان أن يقوم بها لأصحابها ولا يكتمها أو ينكرها أو يجحدها أو يتصرف فيها دون إذن شرعي. يقول الله تعالى «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها» والمقصود هنا كل الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق لله كالصلاة والزكاة والصوم والحج والنذور والكفارات وغير ذلك مما أمرنا به،

ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به، ومن لم يفعل ذلك في الدنيا أُخذ منه يوم القيامة كما ثبت في الحديث: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء». والأمانة كما ذكرنا ليست كما يضيق البعض نطاقها ويقصرونها على حفظ الودائع لكنها في الحقيقة أضخم وأعظم من ذلك وهي فريضة يتواصى بها المسلمون فحينما يتفارقون أو يسافر أحدهم يقولون له «استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك».

ومن عظم أمر الأمانة في الإسلام أنها قرينة الإيمان بالله وأن الذي يفقدها يفقد معها الإيمان وهذا ما أخبرنا به أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» رواه أحمد، فالأمانة في الإسلام أعمق منها في مفهوم الإنسانية المعاصرة الضيق الذي لا يتجاوز المظاهر والمرئيات إلى اللباب وسرائر النفوس ومن ثم تصل صاحبها إلى الآخرة والخلد في جنة الرحمن ولذا كان يستعيذ صلى الله عليه وسلم بالله من الخيانة فكان من دعائه «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع،

وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» فكما أن الجوع منغصة للدنيا فكذلك الخيانة منغصة ومضيعة للدين وليس أدل على عظم شأن الأمانة في الآخرة من أنها تقوم على جانبي الصراط (ذلك الجسر الممدود على متن جهنم يمرّ عليه أهل المحشر وفي حافتيه كلاليب «حديد منحني الرأس يعلق عليه اللحم» مأمورة بأخذ من أُمرت به إلى قاع جهنم البعيد الذي يُبْلغ في سبعين خريفاً) وهذا ما أوضحه الصادق الأمين.

ومن معاني الأمانة وضع الشيء في مكانه الجدير به، وإسناد المناصب للحقيقين بها لذا قال أبو بكر ليزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام: «يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة ، وذلك أكثر ما أخاف عليك بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «من ولي أمر المسلمين شيئاً فأمّرَ عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم »، وقال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون».

فلابد من الكفاءة العلمية والخلقية اللتين تؤهلان صاحبهما للمنصب، وإلا كان ضياع الأمانة الذي هو من علامات الساعة، فحين سأل رجل عن موعدها أجابه النبي: «إذا ضُيّعتْ الأمانة فانتظر الساعة» وأوضح أن ضياعها أن يُوسَّد الأمر إلى غير أهله، وسبحان الله ما أكثر ضياعها في عصرنا، وما أكثر من يجلسون على كراسي ليسوا جديرين بها، وما أكثر الخائنين لله والرسول والمؤمنين الذين حقَّ فيهم قول النبي: «من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم مَن هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين».

ومن معاني الأمانة أداء واجب العمل كاملاً والبلوغ به إلى تمام الإحسان والإخلاص فيه، لأن الإنسان إن لم يفعل ذلك استشرى الفساد، ونخر في عظام الأمة سوسُه ومن ثَمّ كان التأخُّر والبقاء في ذيل القائمة والتخلي عن الصدارة، وهذا الداء الوبيل ما تعانيه أمتنا الآن، فالغرب على ما هو عليه من كفر وإلحاد أدرك عِظَمَ هذا النوع من الأمانة، فانتقل من العَجُز إلى الصدر، ومن المؤخرة إلى المقدمة،

فليتنا فعلنا ما فعل وتركنا الإهمال واستغلال المناصب في المصالح الشخصية والغلول (اختلاس وسرقة المال العام) الذي قال الله فيه «ومن يغلل يأتِ بما غلّ يوم القيامة ثم تُوفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون»، وأوضحه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «مَن استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً، فما أخذَ بعد ذلك فهو غلول» أي سرقة من مال المسلمين وبيّن صلى الله عليه وسلم في حديث آخر أن ما يغلُّهُ المرء في الدنيا يشتعل عليه ناراً يوم القيامة،

وفي حديث ابن اللتبية الذي استعمله النبي على الصدقة فأخذ الهدية (الرشوة) غضب النبي وأوضح أن من يأخذ شيئاً ليس له بحقٍ لقي الله يحمله يوم القيامة!! وكان مما قال «فلا أعرفنّ أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خور، أو شاه تيعر».

ومن الأمانة حفظ حقوق المسلمين وكتمان أسرارهم، يقول النبي «إذا حدّث رجل رجلاً بحديث ثم التفت، فهو أمانة»، ومن أسوأ صور ضياع الأمانة ثرثرة البعض سواء كانوا رجالاً أو نساء بوقاحة وذِكْر ما يحدث بين الرجل وامرأته ونسى من يفعل ذلك أنه بذلك صار شيطاناً يجامع زوجه والناس ينظرون، وأنه خان أعظم أمانة إذ يقول النبي «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها». رواه مسلم

فهلا حافظنا على الأمانة واقتدينا بنبينا الصادق الأمين الحريص على أداء الأمانات إلى أصحابها حتى لو كانوا أعداءه مثلما فعل وترك علي رضي الله عنه ليلة الهجرة ليرد الأمانات.