كل اسم من أسماء الله الحسنى له في نفوس المؤمنين مهابة وإجلال، تسيطر على كيانهم كله، وتجعلهم في حضرة الواحد الأحد خاشعين خاضعين لعظمته، مسبحين بحمده بلسان الحال والمقال. فلا يقال في أسماء الله الحسنى، قهار أبلغ من قاهر، بل هما سواء، لكن لكل اسم حلاوة وطلاوة وبهاء، وكل اسم له في القلوب صدى معين وطعم خاص وله أيضاً تأثيره الخاص على كل إنسان بحسب علمه بصفات الله وإيمانه بها،
فليس كل ذاكر ذاكر بل الذاكر هو من يستوعب معنى الاسم المقدس ويستحضره في قلبه، ويتذوق حلاوته في أعماق نفسه، ويكون باعثاً له على الطاعة والامتثال.ونحن إذا أمعنا النظر في هذا الاسم المقدس - وجدنا له من المعاني ما يبعث في القلوب والجوارح القشعريرة والخوف والخشية والشعور بعظمة الربوبية، ويحمل العبد على الاعتراف بعجزه أمام قدرة خالقه ومولاه.
فالقهار: هو الغالب على أمره، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، فمن رضي فله الرضا منه حتى يلقاه، ومن سخط فله السخط منه حتى يلقاه، نواصي العباد بيده، ماض فيهم حكمه، عدل فيهم قضاؤه، فهو جل شأنه ليس بظلام للعبيد، فمن فقد قهره بحق وعدل وحكمة.
فلا يظن أحد أن الله عز وجل ينتقم ممن يشاء وكيف شاء ومتى شاء بغير ذنب جناه، كلا، بل لا يكون ذلك إلا بسبب يقتضى ذلك. قال تعالى: (فأهلكناهم بذنوبهم) أي بسبب ذنوبهم. وقال جل وعلا: (فكلا أخذنا بذنبه). فقهره مصاحب لعدله، وعدله مصاحب لرحمته، وانتقامه مصاحب لحمله، وهذا هو السر في كمال أسمائه وصفاته، فلا ينفرد اسم عن اسم، ولا صفة عن صفة،
فهو سبحانه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، وهذا هو السر في اقتران «القهار» «بألواح» في القرآن الكريم. فقد ورد هذا الاسم فيه في ستة مواضع: الأول: في قوله تعالى من سورة يوسف: (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) فقد أراد يوسف عليه السلام أن يستميل عقولهم إلى الحق بهذا السؤال،
وكأنه يريد أن يقول: لو كانت الآلهة متعددة ما كانت قادرة على القهر والغلبة، لأن القهر والغلبة للإله الواحد الذي لا يعتمد على غيره ولا يفتقر إلى من يعينه فالقهر من خصائص القادر المقتدر وحده إذ لو كان معه آلهة أخرى لكان الجميع عاجزاً عن تدبير هذا الكون على النحو الذي نراه.