لا توجد أمة بحاجة إلى العمل والبناء، وإلى الوقت الكافي لهذا العمل ولهذا البناء، كالأمة العربية والإسلامية، لعلها تلحق بذيل آخر الحضارات الموجودة على سطح الأرض ومع ذلك فإننا نعيش العطالة والبطالة بكل ألوانها المباشرة والمقنعة. علمياً أستطيع القول أننا نعيش في عصر معلومات منتصف القرن العشرين في أحسن الأحوال،

يعني أننا متأخرون أكثر من خمسين سنة، لأننا أمة أمية ولأننا لسنا قادرين على إنتاج العلم ولا إلى استعارته ونقله عن طريق الترجمة أو تعلم العلوم بلغاتها، وقد فشلت المجامع العربية في تعريب العلوم وتعريب المصطلحات فشلاً ذريعاً، فالعلم ماض في تطوره بسرعة السهم أو بسرعة الضوء ونحن نحبو على أربع كالأطفال الرضع.

وعملياً نحن متأخرون حوالي العشرين أو الثلاثين سنة، نضع خططنا الخمسية أو العشرية لمعالجة مشكلات مستفحلة منذ عقود، كالبنى التحتية من كهرباء ومياه ومجاري ومدارس ومشافي ومستوصفات وتضخم المناطق العشوائية حول المدن والحواضر ويعيش فيها أجيال على الفقر ونقل الماء من الأماكن البعيدة وسرقة الكهرباء من الخطوط العامة، بينما تخطط الأمم الأخرى ـ وتفخر الإمارات العربية المتحدة بأنها من هذه الأمم ـ من الآن ل2020 ميلادي.

في الوقت نفسه يضيع الهدر أكثر مداخيل الأمة، فالجامعات تخرج الآلاف في اختصاصات لا تحتاج إليها المجتمعات لتخمتها منها، والقطاع العام يتكدس الموظفون في مؤسساته كالسردين في علبته، يمضون أوقاتهم في «طق الحنك» والكلام المجاني ولوك المرارات والتنفيس عن الصدور التي تكاد تنفجر.

في تقرير نشر عن جامعة الدول العربية تبين أن موظف القطاع العام في الدول العربية يعمل يومياً حوالي نصف الساعة، وهذا يعني ملايين من العمال والموظفين الذين يتقاضون رواتب على لا شيء. ثم أضف إلى هذه الملايين ملايين أخرى عاطلة تماماً عن العمل وتحلم بفرصة وظيفة ولو بدريهمات، مما يعني حالة من (الإحباط) القاتل وتأجيل كل شيء حتى يأتي الفرج،

وينطبق على هؤلاء المثل الشائع (إذا كثرت همومك نم لها) فتراهم يمضون أكثر أوقاتهم في النوم فإذا استيقظوا أكلوا مما تيسر ثم وقفوا في الشوارع وعلى النواصي يتسكعون ويعلمون بعضهم بعضاً ما نقص من الرذائل، وما دام حق الشاب في العمل والزواج وتأسيس البيت في حكم المؤجل فمن حق مثل هذا أن يصدر عنه أي شيء.

شباب في زهرة العمر يقضون ساعاتهم في المقاهي يلعبون الطاولة ويدخنون الأراجيل، وطالبات جامعيات أو خريجات يعملن في النوادي الليلية وما يتبعه، وخطباء في المساجد يصرخون في الجمع حتى تكاد تخرج عيونهم من وجوههم مهددين بالويل والثبور لكل من يقترف المعاصي، مع أن هذه الأخيرة هي آخر شعرة تربط الشباب بالحياة، ورجال الأمن يحاسبون الضحايا ويتركون المجرمين والمقصرين والذين يبيعون ويشترون في كل شيء من الأرض إلى العرض.

هذه «التمسحة» و«التياسة» عند من يتحملون مسؤولية بناء الوطن والدفاع عنه وتأمين الحياة الشريفة لأبنائه، وقد تداعت علينا الأمم وبدأت تضرب وترقع بالقنابل السوبر مودرن هادمة البيوت على أصحابها وقاتلة النساء والأولاد والشيوخ والرجال ومدمرة المدارس والمستشفيات والمستوصفات، حالة غريبة بدأ زعماء العالم ومفكروه يندهشون منها ويستغربونها من باب أنها من طرائف وعجائب العالم.

ملايين الشباب تصرخ: هذه أيدينا فأين العمل؟! والوطن ينهار والناس تتقاتل وتتعاضض على ربطة خبز أو علبة سمن أو كيلو سكر، ونحن مجردون حتى من الإحساس بوجود مشكلة فكيف المخرج وقد استحكمت حلقاتها. مرة كنت في زيارة لجمعية خيرية في بلد عربي فرأيت شاحنة كبيرة تنزل صناديق من الجبن، وقد عرفت بعدها أنها من زكاة أو صدقات أحد الأثرياء، وقد قررت لجنة الجمعية أن توزعها على «القضاة»!!! هل يحتاج الأمر إلى تعليق ومن أين تأتي نزاهة القضاء.

وروي لي أن وفداً طبياً كان في زيارة لبلد عربي فدعي أفراده إلى العشاء، وبعد الطعام لاحظ أعضاء الوفد الطبي أن الأطباء المضيفين يلفون بعض قطع الفواكه ويضعونها في جيوبهم، وقد فهموا أخيراً أن أطباء البلد المضيف قد اشتهوا زوجاتهم وأولادهم ورغبوا أن يطعموهم مما بقي من الفاكهة على المائدة لعدم قدرتهم على شرائها.

إننا نحتاج إلى عمل دؤوب لـ 48 ساعة في 24 ساعة للحاق بذيل الأمم. وديننا دين العمل والحض عليه ولكنه صار مهجوراً في ظل الجوع والإحباط المستحكم وتجفيف منابع الإرهاب، فإلى متى سنبقى نائمين.