تمضي أيام رمضان ويزداد المؤمن إيماناً ويتوب الشارد ويعود إلى ربه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، فيجد رباً رحيماً بعباده، الذي قال: في شأن التائب العائد إلى ربه وأنا أرحم بهم من الوالدة بولدها، وبما أننا في أيام مباركة من شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران وتتجلى رحمة الله على عباده جميعاً وعلى العاصين التائبين خاصة فيجب على المسلم ان ينتهز الفرصة ولا يدع أيام شهر رمضان تمر دون أن يملأ صحيفته بالحسنات وكثير من عمل الخير ومن الذكر ومن الاستغفار.
روي عن عبدالله بن بُسْرٍ رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: طُوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً. (رواه ابن ماجة باسناد صحيح والبيهقي).
وعن الزبير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أحب أن تسرّه صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار (رواه البيهقي باسناد لا بأس به).
قال تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله. (آل عمران 135)
فالإنسان الذاكر المستغفر يزيل الغفلة عن قلبه، وكثرة الاستغفار تضيء القلب بنور الله وخشيته فيزداد من الطاعة والقرب من الله، لذلك تجده راضياً عن نفسه سعيداً بما يحصل له من تغير.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد إذا أخطأ خطيئة تكتب في قلبه نكثة، فإن هو نزع واستغفر صُقلت، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكره الله تعالى، كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم).
وروي عن علي رضي الله عنه قال: كُنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله به بما شاء ان ينفعني، واذا حدثني احد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وقال: وحدثني أبو بكر رضي الله عنه وصدق أبو بكر انه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور،
ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له ثم قرأ هذه الآية: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون. (آل عمران 135). والشيء الذي يسعد المسلم حقاً هو أن الاستغفار مستحب في كل الأوقات حتي وان لم يكن فيه ذنب.
قال تعالى: «فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا»، ومع هذا الإطلاق العام فإن الحق سبحانه وتعالى ذكر فضيلة الاستغفار بالاسحار، باعتبار ذلك من الأوقات التي يستغفر فيها المتقون وخاصة في شهر رمضان قال تعالى: «وبالأسحار هم يستغفرون، أي يطلبون في أوقات السحر من الله سبحانه وتعالى ان يغفر ذنوبهم كما قال ابو العالية وابن وهب، وقال الحسن مدُّوا الصلاة إلى الاسحار
ثم اخذوا في الاستغفار من اجل ذلك فإن الذين يستيقظون في ثلث الليل الاخير في رمضان وفي غير رمضان يشعرون بسعادة لا مثيل لها حيث الرضا النفسي والاطمئنان الداخلي، فهم يحرصون على الوقت الذي ينزل فيه الحق سبحانه وتعالى الى سماء الدنيا، كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل الله الى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فاستجب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟
إنه تكريم للمسلم الذي أقبل على ربه يستغفره ويدعوه ويطلب منه وهو سبحانه وتعالى أكرم مسؤول وأجود من أعطى، والإنسان عندما يعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الليل ليطاع فيه سراً، ويسلم فيه من الرياء فإنه يستحي ان يضيعه في معصية الله تعالى، كما يستحي بالجبلة والطبع أن يصرف شيئاً من النهار حيث يراه الناس في المعصية، سواء في رمضان أو في غير رمضان،
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «النادم ينتظر من الله الرحمة، والمعجب ينتظر من الله المقت واعلموا عباد الله ان كل عامل سيقدم على عمله ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله وسوء عمله، وانما الاعمال بخواتيمها والليل والنهار مطيتان فاحسنوا السير عليهما الى الآخرة، واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة، ولا يغترَّن احدكم بحلم الله عز وجل، فإن الجنة والنار اقرب الى أحدكم من شراك نعله، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يره.
(رواه الاصبهاني من رواية ثابت بن محمد الكوفي العايد).
والذي يريح النفس ويبهجها أن الاستغفار هادم غوايات ابليس ومحطم إضلاله.
روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال ابليس: وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال: وعزّتي وجلالي لا أزال اغفر لهم ما استغفروني. (رواه احمد والحاكم وقال الحاكم صحيح الاسناد)
وروي عن انس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إن داءكم الذنوب ودواءكم الاستغفار.
والذي يثلج الصدر ويريح النفس ان الاستغفار يزيل الكروب ويوسع الارزاق ويقضي الله به الحاجات، ويجعل الله للعبد المستغفر من كل هم فرجاً ومخرجا.
روي عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب. (رواه ابو داوود والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي وقال الحاكم صحيح الاسناد).
لذا ينبغي على المسلم ان يحاسب نفسه كل يوم ويجمع سيئاته ويجتهد في دفعها بالحسنات، فإن قلت فكيف يكون الاستغفار نافعاً من غير حل عقدة الإصرار، وفي الخبر: المستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزئ بآيات الله.
كان بعضهم يقول: «استغفر الله من قولي استغفر الله وقالت رابعة العدوية: استغفارنا يحتاج الى استغفار كثير.وسيّد الاستغفار هو كما اخبر المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: اللهم انت ربي لا إله الا انت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفرلي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.