كل فتنة تحدث للإنسان هي بارادته فلا يمكن للإنسان أن يكون مصدراً حقيقياً لتوليد الفتن خيرها وشرها الضار منها والنافع، ولكن الإنسان إذا ما أراد الشقاء لنفسه والبلاء لغيره استطاع أن يجلب سائر الفتن بطرق مختلفة ومسالك متعددة. لأن الإنسان كما يعلم العقلاء ان خلقته وفطرته خيرة يحب الخير وينزعج من الشر فالنفس البشرية عموما في أصلها الفطري ولدت على الطبيعة الخيرة
وهنا أشير إشارة عابرة الى ما قاله بعض الفلاسفة والمفكرين من اصحاب الحكمة حول هذه الفطرة السليمة الخيرة حيث قالوا عنها إنها فطرة نقية خيرة كما عند الفيلسوف سقراط ( ت399 ق.م) وكذلك الرواقون وهم أصحاب الفلسفة التي ظهرت في بلاد اليونان على يد مؤسسها ( زينون الرواقي) ت 270 ق.م والقديس أوغسطين (ت 430 م) في كتابه الاعترافات،
وفي الفكر الإسلامي نرى الجاحظ ( ت255 ه) وهو من أصحاب المدارس العقلية يميل إلى هذا الرأي بأن الطبيعة الإنسانية هي خيرة في ذاتها وقد تحدث الإمام الغزالي ( ت 505 ه) في إحيائه وكتبه الأخرى عن هذه الفطرة؛ فوصفها بأنها نقية تهرع إلى فعل الخير والميل إلى التعاون مع الآخرين وتستنكر الشرور «إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا» «المعارج19/21 فاذا كانت الفطرة البشرية خيرة فلماذا تقع المصائب المتعددة
وكيف تحدث الجرائم الكثيرة من قتل وسفور وانحلال اخلاقي وفكري .... وسائر الشرور للناس فهل للإنسان دور حقيقي في احداث هذه الاشياء أم أن ليس له تدخل في ذلك والجواب على ذلك نقول إن الإنسان له تدخل في هذه الشرور سواء أكان حدث ذلك عن طريقة مباشرة أم غير مباشرة. إن الشرور والمصائب؛ قد تنوعت في هذا العصر واصبحت بجانب الناس تلاحقهم حيثما وجدوا وتحوطهم من كل حدب وصوب وفي كل لحظة في المنزل والشارع والمتجر والمعمل وهكذا في كل مكان فالشر الذي مصدره الشيطان يجري في ابن ادم كمجرى الدم.
فالذي يبتعد عن الإرشاد الرباني والهدي النبوي يجلب الشر لنفسه وربما أصاب غيره ونقل العدوى إليه ، فإذا لم يطبق بعض الناس مثلا ولم يسترع الانتباه لتلك الاوامر كقوله تعالى «وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلا» «الإسراء/32 كان أكثر الناس عرضة لهذا الشر وقل من يتغلب عليه إلا من رحم الله تعالى وكذلك في الوقاية من سائر الفتن التي حذر الله تعالى من الاقتراب إليها«وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ »«الأنعام/151
وشر فتنة المال تتولد في كنزها وعدم الوفاء بحقها من اداء الزكاة وعدم الاتزان في الإنفاق والإسراف والتبذير فيه، والاستيلاء على اموال الشعوب ونهب ثرواتها المختلفة كل ذلك من تخطيط الانسان بفكره المعوج والمنحرف عن الطريقة السوية، وأكل اموال الناس بالباطل عن طريق الاحتيال والرشوة.... الى غير ذلك من الفتن فالإنسان هو المسؤول عن هذا الشر،
وشر قضايا المرور والحوادث المهلكة التي من ضحايها فئة الشباب فهم الأكثر تعرضا لهذا الخطر الوبيل وشره المستطير فهذا الشر يتولد نتيجة عدم مراعاة الانظمة والقوانين التي وضعتها الجهات المعنية والمختصة بهذا الأمر؛ فكم من أسرة فقدت شبابا في مقتبل العمر، وكم من أسرة يتم اطفالها والقصص كثيرة في هذا الشأن،
فلو انصاع الناس للتوجيهات والتزموا بتطبيق اللوائح المرورية والارشادات التي تحد من وقوع الحوادث كانت الوقاية من شرور الطرق متحققة لا محالة وان وقعت في بعض الاحيان الأخطاء يكون وقوعها قليلا ولا تشكل أي خطورة على المجتمع فالمهم أن يأخذ الإنسان بالاسباب التي تحد من هذه الشرور المهلكة وتكون وسيلة للنجاة فالإنسان مأمور بأن لا يلقي نفسه إلى التهلكة في جميع الامور فالسرعة الزائدة من الامور التي تؤدي الى اهلاك النفس والانتحار ايضا.
وعموما الإنسان هو الذي يجلب الشر له ولغيره بسبب مخالفته الانظمة والقواعد التي شرعتها الشريعة الإسلامية أو ما كان من اجتهاد من بعض أهل الاختصاص الفقهي أو التنظيمي المدني والسياسي لمواكبة العصر وكل زمان فالخروج عن هذه التشريعات المقننة مدعاة لجلب الفتن وتوليدها عند الإنسان فمن هنا تتولد الفتن وتحدث، فيكون له الأثر السلبي على المجتمع.