جاء في ( الفرج بعد الشدة ) وفي ( لطائف الأخبار ) مسندا عن محمد بن عبد الحميد الحسمي أنه اعتمر سنة 293 من الهجرة وبقي في الأراضي الحجازية إلى شهر رمضان وفي عودته مر على الرَّحْبَة ( وهي رحبة مالك بن طوق تقع بين الرَّقَّة وبغداد على شاطئ الفرات ) وكان مالك بن طوق صديقه فمر عليه في إحدى أمسيات رمضان، وفي معرض حديثه معه قال له مالك: أما مر بك شيء طريف في رحلتك تقصه علي ؟

قال : إنه لما كان هناك غشيه ومن معه شرذمة من الفقراء يسألونهم الصدقات، قال : فوقفت منهم على جارية تسأل وقد كشفت عن وجه كأنه القمر حين استدار، أو قرن الشمس حين استنار، قال فرددْتُ طرفي عنها، واستعذت بالله من الفتنة، خاصة في هذه الأماكن التي يضاعف فيها جزاء السيئة، ولكن الفتاة ما زالت تذهب بين الناس وتعود، فقلتُ لها أما تستحْين من الله أن تُبْدي هذا الوجه في مثل هذا الموضع بين الخلائق ؟ فإذا الفتاة قد لطمتْ وجهها وأنشأت تبكي وتقول :

لمْ أُبْدِهِ حتى تقضَّتْ حيلتي

فبذلتُه وهو الأعزُّ الأكرمُ

ولقد يعِزُّ عليّ، إلا أنه

دهرٌ يجور، كما تراه، ويظلمُ

قد صُنْتُه وحجبتُه حتى إذا

لم يبقَ لي طمعٌ ومات الهيثمُ

أبرزْتُه مِن خِدْرهِ مقهورةً

والله يشهد لي بذاك ويعلمُ

كشف الزمان حجابَنا في بلدةٍ

قَلَّ الصديقُ بها، وعَزَّ الدِرْهمُ

قال فأعجبني ما سمعت منها فضلا عن جمالها وحسنها فبرَرْتُها وقلتُ لها ما اسمك ؟

قالت : المهاة بنت الهيثم الشيباني، كان أبي جارا لبني فزارة فاعتلّ وأنفد ماله وتوفي وتركني فقيرة لا أجد درهما فاحتجت إلى التكفف . فلما سمع مالك هذه القصة استظرفها حتى كتب الأبيات . ثم انصرف محمد بن عبد الحميد إلى بلده بالشام. قال محمد بن عبد الحميد فلما مضت مدة بعث إليَّ مالك بن طوق يستزيرني، فصرتُ إليه . فلما اجتمعت به، كنت في بعض الأيام جالسا بحضرته فإذا خادمان معهما أكياس مختومة، وتخوت ثياب مشدودة فوضعاها عند قدميّ، فتعجبت وقلت لمالك : ما هذا ؟

قال : هذا حق دلالتك على المهاة بنت الهيثم والتي أظفرني الله بها بيمْنِك فحظيتُ بما كانت أمنيتي تقصر عنه ! وقد أنفَذَتْ هي إليك هذا من مالها ولك من مالي ضعفه . فقلت له وكيف كان خبرها ؟ قال : لما انصرفتَ عني، بعثت إلى البادية رسلا أثق بعقولهم وأمانتهم وجِدِّهم يسألون عنها فجعلوا يسألون ويتقصوْن حتى ظفروا بها وحملوها ووليَّها إليّ .

فلما أبصرتها ازداد عندي ما كان زرعه في نفسي حديثك عنها، فخطبتها من وليِّها وزوَّجنيها وجعلت وليها أحد قوّادي، وأفضْتُ عليها من دنياي على حسب تمكنها من قلبي . فسألتْني يوما عن سبب طلبي لها حتى عثرتُ عليها، فخبرتُها بخبرك وكتبتُ إليك أستزيرك لأعرفك ما حدث فلما عرفتْ هي وصولَك أنفذتْ لك هذا وقد أمرت أنا لك بعشرين ألف درهم وعشرة تخوت ثياب !

وإلى أمسية الغد إن شاء الله تعالى .