خلف الأفغاني مدرسة تنويرية إصلاحية في الفكر العربي الإسلامي، امتد تأثيرها إلى الهند شرقاً وفرنسا غرباً، وكون جيلاً من زعماء الإصلاح في مختلف جوانب الحياة كان منهم عبدالكريم سلمان وسعد زغلول وإبراهيم اللقاني وأديب إسحاق، وسليم نقاش، ومحمد عبده، ولعل الإمام محمد عبده (1905) كان أوسعهم أفقاً، وأشدهم عوداً، وأعمقهم فكراً وأغزرهم ثقافة،.
وأشدهم تديناً وكان بحق أحد أعمدة المدرسة الراسخين في العلم، والذي تسلم الراية من أستاذه مع من تسلم وحمل مشعل التربية والتعليم والإصلاح، كانت أبعاد شخصيته تختلف عن شخصية أستاذه من ناحية السمات النفسية، فمحمد عبده يجنح إلى السلم، هادئ وقور، معلم بالفطرة، يحب الحوار والنقاش والإقناع، ويقرع الدليل بالدليل، يطلب النهضة.
ويهتف بالتغيير، ويروم الإصلاح، كل هذا عن طريق تربية الجيل، الذي يقوم بدوره بتربية جيل آخر، في صيرورة مستمرة وحلقة متوالية، ومنهج تدريجي، ينشد تثقيف العقول، وتغذية النفوس بمعطيات القرآن وثقافة العصر، وحصيلة الحضارة في حين ان شخصية أستاذه كانت تتفجر بالتمرد، مملوءة بالثورة، مشتاقة للتغيير الجذري، تريد ان تقلب الدنيا رأساً على عقب وتغير المجتمع في غمضة عين، وتحدث ثورة في كل مكان، فقد كان الأفغاني مثل الإعصار المدمر الذي لا يبقي ولا يذر، أو الفيضان الهائج الذي يريد ان يقتلع الاستعمار من جذوره، ويجتاح الحكام المستبدين ويغير جلد الشعب كله بين يوم وليلة، ويسحق التخلف والجهل والخرافة.
لقد آمن محمد عبده بأهمية العلوم ودورها في تقدم الأمم، بعد ان استفاد من شيخه الأول الذي أقنعه بأهمية كل العلوم وسواء أكانت دينية أو دنيوية، عكس ما كان شائعاً في الأزهر ان علوم الدين هي العلوم الحقيقية التي تقود الإنسان إلى الجنة، فآمن بأهمية علوم الفلسفة والمنطق والتصوف وفلسفة التاريخ علاوة على الرياضيات والجغرافيا.
ومن ثم حينما تخرج من الأزهر واسند إليه مهمة تدريس التاريخ حرص على شرح مقدمة ابن خلدون أي تدريس فلسفة التاريخ حتى يحرك عقلية طلابه للاستدلال، وإعمال العقل في حقيقة الحوادث، ووقائع التاريخ وتفسيرها علمياً يرجع الأسباب إلى مسبباتها والمعلول إلى العلة، بعيداً عن التفسيرات الغيبية، أو الأسطورية، كان يعلم طلابه ما دور الشعب والقادة في صنع حقائق التاريخ، وقيام الدول وسقوطها، وما سمات كل دولة وكيف تتميز كل منها.
وما العظة والعبرة التي نجنيها من حركة التاريخ. حمل محمد عبده على عاتقه، رسالة المفكر، كأن كاهنة معبد دلفى التي كلفت سقراط بتعليم شباب أثينا، قد ألمت بالشيخ محمد عبده، وأناطت به أمانة الكلمة، بعد ان تسلح بعدالة القاضي، وصبر المعلم، وثقافة المفكر، وعقل الفيلسوف ونقاء المتصوف، وبدأ يخوض غمار الحياة بعد ان تخرج من الأزهر ويتحرك في أكثر من ميدان على قدر طاقته وما وسعه جهده.
وكان أسوأ هذه الميادين الميدان السياسي الذي دفع إليه دفعاً، ربما بتأثير من أستاذه الأفغاني، فقد كان مثل المغناطيسي يجذبه إليه ويجعله يدور في مداره فإذا افترقا وبعد عنه عاد إلى طبيعته الهادئة كمعلم، وعلى كل حال، فقد كانت تجربته السياسية تجربة مرة وقاسية فقد اشترك في الثورة العربية، على الرغم من عدم اقتناعه بقادتها ولما تمخضت الأحداث عن احتلال مصر حوكم من حوكم ونفي إلى بيروت وعانى ما عانى من حرقة الغربة ولوعة مفارقة الوطن.