إسلامنا دين الحفاظ على الحياة، فيحرم تحريماً قاطعاً قتل النفس بغير حق واعتبر أن من يقتل نفساً واحدة عمداً وبغير مبرر فكأنه قتل جميع من في الأرض، وان أول جريمة قتل وقعت في الأرض هي جريمة قتل قابيل أخاه هابيل وهما ابنا آدم اللذان ذكرهما القرآن الكريم في سورة المائدة.
وتلك الجريمة كانت أول إفراز للخير الذي يمثله «هابيل» المقتول» المقتول والشر الذي يمثله «قابيل» القاتل، تليت علينا قصتهما للدرس والاعتبار فهل اعتبرنا نحن أبناء آدم من بعد، وعلى وجه الخصوص الذين وجه لهم الخطاب، أعني بني اسرائيل، الواقع في مسيرة الحياة على تعاقب العصور يؤكد أنهم لم يعتبروا ولم يفيدوا من التوجيه الرباني والدليل على ذلك قتلهم الأنبياء وتجبرهم واستعلاؤهم في الأرض وجرائم الحرب البشعة التي يرتكبونها في حروبهم وليس آخرها بالطبع ما حدث في فلسطين.
وفي لبنان من قتلهم الأطفال وتفجير البيوت على رؤوس أهلها المدنيين الذين لا يحملون سلاحاً في وجههم ولا يعلنون حرباً عليهم، ولماذا كل ذلك؟ لأن المقاومة سواء في فلسطين أو في لبنان تدافع عن حقها السليب من المحتل الجائر، فإذا الموازين الجائرة تنقلب رأساً على عقب فيعتبر الذائد عن حقه المشروع إرهابيا والمغتصب الجائر على هذا الحق هو الذي يمنح الضوء الأخضر للدفاع عن نفسه.
وليس بمستغرب من قتلة الأنبياء هذا الذي يقومون به وكانت الغرابة لو كانوا على غير ذلك.
ونأتي إلى القصة القرآنية في شأن قتل النفس التي وردت في القرآن العظيم. قال تعالى: «واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق، إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك، قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين.
إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين. فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين. فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين. من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم أن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون».
سورة المائدة ـ الآيات من 27 إلى 32.
إذن من هذا القرار الإلهي من رب العالمين، خالق الأنفس وكافل الحياة لها إلا بأجل مسمى لتحيا النشأة الأخرى، إما في نعيم أبدي في جنة المأوى جزاء وفاقاً لمن لم يشركوا بربهم أحداً واستجابوا وأطاعوا رسوله الكريم، خاتم النبيين الذي ختم به رسالة الإسلام وإما في جحيم أبدي لمن أشرك بربه أحداً.
ووحدهم هم المسرفون المفسدون الكافرون بربهم من يقتلون بغير حق ويهلكون الحرث والنسل، فعل ذلك الملك الجبار الطاغية في زمان خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ووردت قصته في الآية 258 من سورة البقرة. قال تعالى: «ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك، إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين».
قيل إن هذا الملك الطاغية ليبرهن أن بيده أمر الحياة والموت أحضر رجلين حكم عليهم بالإعدام فأعدم أحدهما وعفا عن الآخر ونسي في غمرة طغيانه انه ليس هو من خلق الرجلين أجنة في بطني أميهما وليس الذي كتب آجليهما وإنما الذي اعدم على يد الطاغية كان هذا أجله المكتوب وباء هو ـ أي الطاغية بإثم ووزر إنهاء هذه الحياة للرجل لشقوته، وأما من عفا عنه فبأمر الله وليس بأمره هو، وإنما فقط كان التنفيذ على يده، ولم تكن تلك حجة للنمرود في ربه يحاجج بها إبراهيم عليه السلام وإنما كانت الحجة الحقة إبداع الكون، هذا الكون المنضبط الإيقاع.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
فعندما قال إبراهيم للمتجبر المتكبر في الأرض أن الله يأتي بالشمس من المشرق فاجعلها على غير ماهي عليه تخرج من المغرب وتغيب مشرقاً، فتحير (بهت) الكافر المستبد. غنه ظالم لنفسه، غفل عن الحق مثله مثل كثير من الجبابرة الطغاة الذين يتوارثون هذا الطغيان عبر الأزمان، وقصة فرعون الذين بلغ به التأليه لنفسه أن قال: «ما علمت لكم من إله غيري» القصص ـ الآية 38.
يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله: «ولم يكتف التشريع الإسلامي بإعلان مبدأ «حق الحياة» بل أعلن أيضاً وجوب صيانة الحياة من كل ما يمكن أن يقضي عليها إذا كان في الإمكان تفادي ذلك ـ أي تفادي ما يقضي على هذه الحياة المحافظ على حقها إسلامياً، أو مما يتلفها أو يضعفها، بمعنى علاج الأمراض التي ربما تترك آثاراً جانبية تتسبب في عاهات مستديمة، كارتفاع السكر المستمر عند مريض السكر الذي قد ينتج عنه العمى أو الفشل الكلوي أو ما إلى ذلك أو ارتفاع الضغط وما ينتج عنه.
وفي الأمراض الوبائية شرع الإسلام مبدأ الحجر الصحي وكان ـ أي الإسلام ـ السباق إلى ذلك في العالم وشاهدنا على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من أربعة عشر قرناً: «إذا كان الوباء بأرض ولست بها فلا تدخلها وان كان بأرض وأنت بها فلا تخرج منها» رواه البخاري ومسلم وأبو داوود.
ونجد التوجيه الإسلامي لكل فرد العناية بصحته ونهيه عن كل ما من شأنه أن يضعفها. قال تعالى: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا» سورة الأعراف ـ الآية 31. فإذا كان الأكل والشرب لاستمرار الحياة فإن الإسراف فيهما مضر بالصحة، ومسبب للأمراض والعلل، ألا نلاحظ أن الطبيب ينصح مريض القرحة بأن يتناول وجبات خفيفة متقاربة حتى لا يجوع فيضطر للإسراف وملء البطن المقروحة التي لا تتحمل هذا الامتلاء.
وفي السنة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ما أنزل داء إلا جعل له شفاء، ألا ياعباد الله فتداووا» والحديث للأخذ بأسباب العلاج من الأمراض الامر الذي يهمله كثير من الناس حتى يشرف الواحد منهم على الهلاك فيفزع إلى الطبيب في مرحلة متأخرة من المرض وهذا خطأ كبير، لابد من المسارعة إلى العلاج بمجرد الإحساس بالوعكة وعدم التهاون في ذلك أو الإهمال.