في كلمة لطه حسين عن فوزي المعلوف قال: «مرّ المعلوف بالأرض مرّاً سريعاً، ولكنه ترك في النفوس صدى يتردد فيها حلواً لاذعاً محرقاً معاً، ولا أعرف أني تأثرت بشاعر كما تأثرت بهذا الشاعر الشاب حين قرأت قصيدته (على بساط الريح) فاهتزّت لها نفسي اهتزازاً وانشق لها قلبي انشقاقاً، فأيّ روح عذب، وأيّ نفس حلوة، وأيّ سحر خلاب، وأي فن رائع، وأيّ موسيقا خليقة بالبقاء».
ولد فوزي بن عيسى إسكندر المعلوف في زحلة وأتقن العربية والفرنسية واشتغل ببعض الوظائف في الشام، ثم هاجر سنة 1921 إلى البرازيل ونشر أكثر شعره: سقوط غرناطة، وتأوّهات الحب، وشعلة العذاب، وأغاني الأندلس، وعلى بساط الريح. واعْتُبِط شاباً لم يزد على الثلاثين إلا قليلاً.
وفي ديوان فوزي قطعة جاء في مقدّمتها أن الشاعر رأى رسماً (صورة) لِخُوذة أبي عبدالله (الملقب بالصّغير) وهو آخر ملوك غرناطة في الأندلس وصورة سيفه على ما يؤكده الاسبانيون، وهما في متحف طليطلة، فقال يخاطب السيف:
يا سيف آخر مالكٍ في دَولةٍ
الفخر كُلّ الفخر في آثارها
ليت الفناء عدا عليك مُغيّباً
ذكرى تلطّخُ صفحتيكَ بعارها
أَوْلى بأرباب الظُّبا تحطيمُها
أو موتُهم بالعزّ تحت شفارها
مِن طرْحِهَا بيدِ العَدُوّ بذلَّةِ
يستنكفُ الأحفادُ من تذكارها!!
فقد ساء الشاعر أن يرى صورة خوذة آخر ملك عربي في الأندلس وسيفه وقد وقعا في الأسر، وبقيا دلالة على تهاون أو خذلان، وقال: يجدر بأصحاب السيوف (الظبا جمع ظُبّة حدّ السيف) أن يموتوا في المعركة أو يحطّموا سلاحهم حتى لا يقع في يد العدو وحتى لا يكون إذلالاً للأولاد والأحفاد. وهذا الشعر ينضح بالكرامة والعزّة والأسى لما كان.
وبمناسبة هذه القطعة الوثّابة فإن في شعر فوزي المعلوف عناية لافتة بالأندلس، واشتهر له «أغاني الأندلس»، وهي أغان «نسج فيها الشاعر على منوال شعراء الأندلس الأقدمين في الرقة وتنويع الأوزان والقوافي».
وقد عرّب الشاعر قصيدة للشاعر الإسباني فرنسيسكو فيلاسباسا وترجمها شعراً رقيقاً مؤثراً على طريقته في أشعاره الخاصة، ومن هذه الترجمة:
غرناطة! أوّاهُ غرناطة!
لم يَبْقَ شَيء لكِ من صَوْلتكْ!
هل نهرك الجاري سوى أَدْمُعِ
تجري على ما دال من دولتكْ
والنّسمة الغادية الرائحة
هل هي إلا زفرةُ نائحة؟!
فالماء الذي يجري في نهر حَدَرُّو (نهر غرناطة الذي يشبه بردى لدمشق) ليس إلا دموع الأسى على ضياع مجد غرناطة العربيّة.. ثم قال مخاطباً مدينة غرناطة التي كانت آخر مدينة مقاومة، تسقط سنة 897 هجرية (1492 ميلادية):
ما عُدْتِ في النهّر كسلطانةٍ
جَبْهَتُها في مائها ساطعَةْ
للقبّة الحمراءِ في تاجها
وَهْج وللمئذنةِ اللامِعَهْ
آهٍ على أَمجادك الضائعه
شيّعتُها بالنظرة الدّامعهْ!
والقصيدة طويلة، وهي تجري على هذا النسق من الرقّة والألق واحتدام العاطفة
وفي ترجمة المعلوف التي كتبها جورج صيدح «من العجيب في فوزي وقد أسلست له الدُّنيا قيادَها المادّي والرّوحي أن تتحكم في نفسه كآبة كثيفةُ تُدنيه أحياناً من ظلام القنوط..». وهذه الرؤية من صيدح تصلحُ مفتاحاً لقطعة نظمها المعلوف وكتبها تحت رَسْمِه (صورته) وهي:
كلّ هذي الحياة وَهْمٌ وهذا الرَّسْ...
... مُ وَهْمٌ وما أنا غيرُ وَهْمِ
غيرَ أنّ الرسومَ تْبقَى طويلاً
وأَنا أمَّحِي بروحي وجسْمِي
فاحْفَظُوا الرّسْمَ عندكم واذكُروا مَنْ
صَيّرَتْهُ النّوى بِرقّةِ رَسْمِ!
لقد أجاب فوزي المعلوف عن استشكال جورج صيدح، لقد كانت الدّنيا سلسة القياد للمعلوف، لكنه كان يحسّ بأسى الاغتراب (النّوى) الذي صَيّر الشاعر كالوَهْمَ رقةً ونُحولاً، وكالرّسم (الصُّورة) أيضاً.