في صيام شهر رمضان فوائد كبيرة للإنسان الذي يمسك عن الطعام والشراب، حيث تقوى النفس على التقوى وعلى الطاعة، ويتحلى الصائم بخلق التواضع لله عز وجل، لأن الإنسان كلما جاع قمع الشهوات وارتفع بنفسه إلى درجة المقربين بإذن الله تعالى.
فالصائم المتواضع تجده يتحدث مع من يتعامل معهم في البيت أو في الشارع أو في العمل بنفس راضية ولا تصدر منه كلمة نابية، لأن الصوم هذب نفسه وأحاسيسه لدرجة أنه يغضب إذا صدرت منه هفوة تغضب الآخرين.
وإن من سمات المتواضعين خفض الجناح للخلق، ولين الجانب لهم، وبذل المعروف لهم والحلم معهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن تواضع في غير منقصة، وذل نفسه من غير مسألة، وأنفق مالاً جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذلة والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن طاب كسبه وصلحت سريرته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله». (رواه الطبراني).
وتزداد سعادة الصائم المتواضع الذي آتاه الله من فضله وبسط له في رزقه عندما يكون رفيقا بالضعفاء والمحتاجين في رمضان وفي غير رمضان فتجده دائماً يسارع في عمل الخير ابتغاء مرضاة الله.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه». (رواه مسلم والترمذي).
الصائم المتواضع الذي كبح الصوم جماح نفسه تجده يتمتع بصفاء فكري لا مثيل له في شهر رمضان، لذلك ترى كثيراً من العلماء ورجال الفكر الإسلامي يكثر إنتاجهم الفكري وتكثر مؤلفاتهم في شهر الصوم.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته».
والصائم المتواضع تجده دائماً يكثر من شكر الله تعالى على نعمه ولا يتوانى في إقامة أمره والمحافظة على طاعته كما تجده لا يتوانى أيضاً في تقديم النصيحة الخالصة لأخيه الشارد حتى يعود إلى الجادة وينعم برضوان الله عز وجل.
قيل أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام، إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة، أتممها عليك.
وقال كعب: ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله، وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع بها درجة في الآخرة، وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها، ولم يتواضع بها لله، إلا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح الله له طبقا من النار، يعذبه إن شاء أو يتجاوز عنه.
إن المسلم إذا تواضع في نفسه وشعر بالذلة لله والاحتياج إلى عونه غرست له المحبة في قلوب الناس وزاد احترامهم له وهذا ولا شك يزيد من سعادته ويجعله حريصاً على هذا الخلق الكريم، وقد قال بعض الحكماء: ثمرة القناعة الراحة وثمرة التواضع المحبة.
وجاء في الأثر: الكرم التقوى والشرف التواضع واليقين الغني.
وروي عن عيسى عليه السلام، طوبى للمتواضعين في الدنيا هم أصحاب المنابر يوم القيامة، طوبى للمصلحين بين الناس في الدنيا هم الذين يرثون الفردوس الأعلى يوم القيامة، طوبى للمطهرة قلوبهم في الدنيا هم الذين ينظرون إلى الله تعالى يوم القيامة.
يقال: التواضع في الخلق كلهم حسن، وفي الأغنياء أحسن. ويقال لا عز إلا من تذلل لله عز وجل، ولا رفعة إلا لمن تواضع لله عز وجل، ولا أمن إلا لمن خاف الله عز وجل.
وقال أبو علي الجرجاني: النفس معجونة بالكبر والحرص والحسد فمن أراد الله تعالى هلاكه منع منه التواضع والنصيحة والقناعة. وإذا أراد الله تعالى به خيراً لطف به في ذلك، فإذا هاجت في نفسه نار الكبر، أدركها التواضع مع نصرة الله تعالى، وإذا هاجت نار الحسد في نفسه أدركتها النصيحة مع توفيق الله عز وجل، وإذا هاجت في نفسه نار الحرص أدركتها القناعة مع عون الله عز وجل.
وجه عصام البلخي شيئاً إلى حاتم الأصم فقبله، فقيل له: لم قبلت؟ قال في تواضع: وجدت في أخذه ذلي وعزه وفي رده عزي وذله، فاخترت عزه على عزي، وذلي على ذله.
وروي عن عبدالله بن الحسن بن علي رضي الله عنهم قال: أتيت باب عمر بن عبدالعزيز رحمه الله في حاجة، فقال لي في تواضع! إذا كانت لك حاجة فأرسل إلي رسولاً أو اكتب إلي كتاباً فإني لأستحي من الله أن أراك على بابي.
في ختام اللقاء... دعاء ورجاء:
إلهي، إن كنت لا ترحم في هذا الشهر الكريم إلا من أخلص لك في صيامه وقيامه، فمن للمذنب المقصر إذا غرق في بحر ذنوبه وآثامه، ليس له سواك، فأنت الغفور وأنت الرحيم وأنت ناصر التائبين وجابر المنكسرين لسان الحال يقول: إلهنا إذا خذلنا فانصرنا، وإذا وقعنا فخلصنا، وإذا زغنا فقومنا وإذا اعوججنا حجنا فسونا، وإذا سألناك فاعطنا ولا تحرمنا يا ذا الجود والفضل والإنعام.
اللهم ادخلنا في ظل رحمتك يوم لا ظل إلا ظلك، واجعلنا يا رب ممن يقتفون آثار الذي يؤمنون بآيات ربهم، ويعملون الصالحات، ولا تجعلنا من الذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وهم عن آياتك غافلون، اللهم اجعلنا مع من هديتهم بإيمانهم في أصحاب الجنات وخلصهم بخالصة ذكرى الدار واجعلنا يا رب عندك من المصطفين الأخيار، إنك على كل شيء قدير.