الوزير محمد بن عبد الملك الزيات كان كاتبا وشاعرا وأديبا، ونجح حتى اتخذه الخليفة المعتصم العباسي وزيرا له وكذلك الخليفة الواثق بن المعتصم، ولكنه كان فظا غليظا فكثر أعداؤه فصنع فرنا به أشواك من الحديد وعزم على أن يضع فيه كل عدو له يظفر به.
ولكن الفرن لم يوضع به سوى صاحبه نفسه إذ كان يدبر مؤامرة حتى لا يتولى المتوكل الخلافة بعد الواثق وسمع المتوكل مؤامرته مصادفة فأمر بقتله في ذلك الفرن سنة 233 من الهجرة، وكان على صلة بأبي العيناء (وهو أبو العيناء محمد بن القاسم بن خلاد ابن ياسر الهاشمي ولاءً. أديب فصيح من الظرفاء توفي سنة 283 من الهجرة ).
وقد روى صاحب جمع الجواهر ورواه غيره أنه لما تولى ابن الزيات الوزارة قصده أبو العيناء وأُدخل مكتب الوزير ولكنه فوجئ بابن الزيات يتنكّر له، فما كلمه ولا نظر إليه، وما أبدى حتى أنه شعر بدخوله، فأُحرج أبو العيناء وقال له:
أيها الوزير، إنّ مِن حَقِّ نعمةِ الله عليك، لِمَا أَهَّلَكَ له في الحال التي أنت عليها، أنْ تجعل بسطة الوجه لأهلِ الحاجةِ إليك خُلقا، فإنَّ من أُوحِشَ انقبض عن المسألة، وبكثرة السؤال مع النُّجْح يدوم السرور، وبقضاء الحاجات تدوم النعم.
فقال له ابن الزَّيّات: إني أعرفك فُضوليًّا كثيرَ الكلام ! أترى أنّ طولَ لسانك يمنع مِن تأديبك إذا زَلَلْتَ ؟ ونادى الشرطة وأمر به إلى الحبس.
وبعد أيام طالت على أبي العيناء في سجنه كتب للوزير من محبسه يقول:
(قد علمتَ أن الحبسَ لم يكن لذنبٍ تقدّم مني إليك، ولكنّك أردْتَ أن تُرِيَني قُدْرَتَك عليَّ، لأن كلَّ جديد له لذّة. ولا بأسَ أن تُرِيَنا مِن عفوِك مِثلَ ما أريْتَنا مِن قُدرَتِك!) فأمر بإطلاقه.
وبعد مدة كان الوزير يركب دابتَّه على الطريق، فرأى أبا العيناء، فحبس ابن الزيات دابته ووقف وقال لأبي العيناء: ما أراك يا أبا عبدِ الله تُواصِلُنا حتى تَجِد من عنايتنا ما يليق بك. فقال له أبو العيناء على الفور:
أيها الوزير، أما عنايتُك فإني أعلمُ الناس بها، كيف لا، وقد تجرّعْتها. ولكني أحسب أن الذي جدد استبْطاءَك لي هو فراغ حبسك ممن فيه، فأردتَ أن تعمره بي !
فأُفحم ابن الزيات وانصرف مُبلسا !
ابن الزيات وبن أبي دؤاد
كان بين قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد وبين محمد بن عبد الملك الزيات كاتب الخليفة خلاف وود مفقود،. وكان ابن أبي دؤاد يزور عادة أبا منصور حاجب الخليفة فخاف الحاجب أن يصل أمر هذه الزيارات إلى ابن الزيات.
وتصادف أن توجه ابن أبي دؤاد لزيارة الحاجب ومعه بعض أصدقائه، فلم يقابله الحاجب وإنما بعث له برقعة يقول له فيها: إن القاضي يتعنّى ويجيء لزيارتنا، وقد تفاقم الأمر بينه وبين كاتب أمير المؤمنين فصارت الزيارة تضرنا دون قصد القاضي، وما أحب أن يتعنّى إليّ لهذا السبب ! فقال القاضي لمن معه وكانوا أدباء بماذا نرد عليه ؟ فأبلسوا فقال اقلبوا الرقعة واكتبوا:
ما أتيتك متكثّرا بك من قلّة، ولا متعززا بك من ذِلّة، ولا طالبا منك رتبة، ولا شاكيا إليك كربة، ولكنك رجل ساعدك زمان، وحركك سلطان، بغير علم يؤلف، ولا أصل يعرف، فإن جئتك فلسلطانك، وإن تركتك فلنفسك، والسلام !!
وإلى أمسية الغد إن شاء الله.