هي جهد الامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه تجنباً لعذابه. وتقوى العبد لربه: أن يجعل بينه وبين ما يخشاه ويخافه من غضبه وعقابه وقاية، ولذلك ارتبط معناها بالخوف من الله، تلك العاطفة التي تنبع من حسن معرفة المرء به سبحانه، فيكون في حذر دائم وتوقٍّ واحتراز من أشواك طريق الحياة إيثاراً لسلامة الدنيا ونجاة الآخرة، تلك الطريق المكتظة بالشبهات وأشواك الشهوات ومخالب المحرمات وبراثن المنهيات.

ومن المعاني الشاملة للتقوى: المحافظة على كل آداب الشرع بمنتهى الدقة والأمانة ورعاية قوانينها واتقاء كل ما يُشَمُّ منه رائحة مخالفة أمر الله، وعمل كل ما يثمر حب الله والظفر بجنته.

وبهذا المعنى تصبح التقوى الميزان الذي يبين قيمة الإنسان وكرامته وسموه وهذا ما نوهت به الآية الكريمة «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، وأوضحه النبي حين قيل له: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم» رواه الشيخان.

فالتقوى ميزان التفاضل والتفاوت بين الخَلْق، لا يستغني عنها حيّ ولا يمكن الوصول إليها إلا بالسير في فَلَك القرآن الذي هو «هدى للمتقين» والذي دعا الله فيه إليها المؤمنين فقال:

«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته» فأمَرنا أن نطيعه ولا نعصاه، وأن نذكره فلا ننساه، وأن نشكره فلا نكفره، وأوصانا بها سبحانه فقال: «ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله» ويعقب الفيروز آبادي في بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز على الآية قائلاً:

«يفهم منها أنه لو كانت في العالم خصلة هي أصلح للعبد، وأجمع للخير وأعظم للأجر، وأجلّ في العبودية، وأعظم في القدر، وأولى في الحال، وأنجح في المآل من هذه الخصلة لكان الله سبحانه أمر بها عباده وأوصى بها خواصّه لكمال حكمته ورحمته، فهي الغاية التي لا متجاوز عنها ولا مقتصر دونها».

وقال تعالى: «فاتقوا الله ما استطعتم» ومن ثم علينا بذل الجهد والطاقة في طاعة الله وهذا ما أمر به النبي فقال: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»، وكما أن الإنسان يتقي الأمور الضارة الخطرة في الدنيا كالتيار الكهربائي الصاعق أو السيارات المسرعة بكل استطاعته فعليه اتقاء النار كذلك بأقصى جهده وطاقته.

وأن يوصد الأبواب أمام جميع أنواع الشر حتى ينجو من السقوط إلى أسفل السافلين ويسير إلى أعلى علّيّين، وينال ينابيع الخير ويفوز بمراده في الدنيا والآخرة بكرم الله إذ يقول «ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب» فيفرّج همه ويكشف كَرْبه ويزيد رزقه.

والشواهد على ذلك كثيرة جداً، منها ما ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة التابعي الجليل المتقي العابد الزاهد الصابر على الجوع عبدالرحمن بن أبي نُعْم البجلي الكوفي حين دخل على الحجاج بن يوسف الثقفي يوم الجماجم (بعد أن قتل الحجاج العلماء والصالحين والعُبّاد الذين كانوا مع عبدالرحمن الأشعث ضد الحجاج في دير الجماجم) فوعظه فأخذه الحجاج ليقتله، وأدخله بيتاً مظلماً؟ وسدّ الباب عليه خمسة عشر يوماً!! ثم أمر بالباب أن يُفتح ليخرج فيُدفن؟ فدخلوا عليه، فإذا هو قائم يصلي! فقال له الحجاج: سِرْ حيث شئت!!

فما أنجاه إلا عبادته وتقواه، وسبحان الله كم يشبه هذا ما حدث للزاهد التقي بُنان الحمال الذي لم يرهبه أسد ابن طولون وأخذ يشمه ولم يؤذه.

وقد تضمنت السنة نماذج إنسانية تأثرت بتقوى غيرها لله، فتطهرتْ نفوسها من درن المعصية، وأزالت عن قلوبها ران الغفلة، فتيقّظت وأفاقت من سباتها، وسارت على الصراط المستقيم، ومن أمثلة ذلك ما ورد في الترغيب والترهيب عن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورّع من ذنب عمله. فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها، فلما أرادها على نفسها ارتعدت وبكت؟ فقال: ما يبكيك؟ قالت: لأنّ هذا عملٌ ما عملته. وما حملني عليه إلا الحاجة. فقال: تفعلين أنت هذا من مخالفة الله! فأنا أحرى. اذهبي فلكِ ما أعطيتك، ووالله ما أعصيه بعدها أبداً. فمات من ليلته، فأصبح مكتوباً على بابه: إن الله قد غفر للكفل فعجب الناس من ذلك».

التقوى كنز عظيم ونور وفرقان يجعله الله للعبد ينجّيه من كربات الدنيا، ويسعده في الآخرة، ويمحو ذنوبه وينيله ثواب الله ومرضاته، وبالتالي دخول جنته وهذا ما دلت عليه الآية الكريمة:

«إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفّر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم». فلا شك أن ثواب الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل «جنة الله ورضوانه»، لأن من اتقاه سبحانه صارت عنده حساسية مضادة للحرام، وصار من «الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش» بل يترك الصغائر المعنية باللمم إن كان بالغاً حقاً درجة المتقين، ودليل هذا قول النبي: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به البأس» رواه الترمذي وابن ماجة.

وهذه حقيقة لا مراء فيها، فالتقوى الكاملة لا تتحقق إلا بترك الشبهات، والمتقون هم الأبطال الحقيقيون «أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى» فبلغت قلوبهم من الصفاء والطاعة والعبادة مبلغ البطولة واجتياز الامتحان بتفوق.