عن أبي ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حق الله تعالى فيها إلا جاءت يوم القيامة أكثر مما كانت وأقعد لها بقاع قرقر تستن عليه قوائمها وأخفافها وتنطحه بقرونها ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه فاتحا فاه، فإذا أتاه فر منه» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الامام البخاري في صحيحه.

صيغة التوكيد تلقانا في مستهل النص لتؤطر هذه الصورة في قوله «ما من صاحب» فهذا شمول وتأكيد، فلا يخرج أحد من مانعي زكاة هذه الأنعام عن هذا العذاب المنتظر ثم ان العدد وفير يتضخم أمام العين فتبدو في اللوحة أعداد هائلة من الأنعام، والتعبير بـ «جاءت» فيه رعب ليس في «أحضرت» مثلا فهي تقصد هذا المانع بالذات وأي قصد هذا وهي التي كان يحبها ويمنعها عن الفقراء فقد قلبت عدوا له بعد أن كانت قرة العين ولذة الفؤاد.

وثمة جزئية أخرى توضح جوانب الرتب في صيغة «وأقعد لها بقاع قرقر» وهنا يتسع المكان لتنفذ هذه الأنعام مهمتها في راحة تامة ذهابا وإيابا تنفرد بهذا البخيل الآثم، وكثرة عددها توحي باتساع المساحة واتساع القبح، والخشونة القبيحة ليست قائمة في قرونها وأخفافها فحسب، بل تنبع هذه الخشونة من صوت «قرقر» المومئ إلى تكرار العملية القبيحة وهي سيطرة الحيوان على الإنسان.

ومن جوانب التفاعل بين الجزئيات أن الأنعام تستن قوائمها وأخفافها ثم تنطحه «كل هذه الأعداد الكبيرة المروعة» تأتي لتنطحه وتدوسه وها هنا إشعار باختلاف الموازين إذ المفروض أن يعلو الإنسان.

ولكن المعصية بحيوانيتها جعلت المستوى الحيواني فوق المستوى الإنساني لتأكيد المهانة والإذلال وكلمة أقعد تبين القوة العظيمة التي أذعن لها وخضع إذ سكت عن الفعل للدلالة على عظمة قوته وعلى مذلة الذي يقع عليه الفعل وليكون هدفا ثابتا لهذه الأنعام المغيرة.

والمشهد الآخر من هذه اللوحة، ذلك الكنز الذي يتحول إلى أفعوان ولا يكتفي بذكره بل يوصف بأنه أقرع، أي كبير في السن خبيث السم، ومهما عرفنا عن حسيته في الدنيا فإن دلالته الروحية في الآخرة تزيد من فاعليته فالإحساس أوسع من الرؤية.

وكما أن الأحدب يتسم بالعبوس في سحنته، ليتناسب هذا التقلص مع الحدبة، كذلك جاء لهاث الأفعوان مقرونا في المشهد بفتح الفم «فاتحاً فاه» وفي هذا التعبير استمرار لاعتماد على صيغة اسم الفاعل على الاسم في لحظة القيام بالفعل فهنا ثبات واستمرار.

ثم ان هذا الثعبان يفتح فمه ليكون المقابل الصحيح وردة الفعل السريعة محاولة الفرار من الفناء وكونه ينفر من الكنز المتجلي بالثعبان الأقرع منظر قبيح ولعله يثير الضحك، خصوصا أن الحديث لم ينص على القتل، وفعل السم، بل نص على حركة الفرار المتكررة مع ما يثير من مشاعر مختلفة في المعذب وفي المتلقى.

ونجد أن الرعب في الحديث قد لازم القبح وأن الجزيئات الصغيرة من صيغ وعناصر تصويرية كانت لمسات في استكمال اللوحة وإسهامها في إعطاء كلية الصورة حيث الوضوح والموضوعية والمخزون الأكبر من التأثير.

والشكل القبيح لافت للنظر لاشك في الأمر وذلك بقدر ما يلفت الجميل نظرنا، بل إنه يتسم بالحدة وذلك بفضل المغايرة التي يحملها في تناسق الأعضاء، وعلى المرء ان يكون على تناسق الأعضاء ليتفهم ويتذوق قبح نتوء الوجنتين وضخامة الفكين وبروز العينين.

نسأل الله السلامة والعافية وان يرزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل انه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على سيدنا محمد.