من الصعب على أي تناول للعلاقة بين الإسلام والغرب إغفال الإشارة إلى هنتنجتون ونظريته بشأن صدام الحضارات والتي احتلت مكانة مركزية في إطار النظر لمسار هذه العلاقات. وقد عززت أحداث 11 سبتمبر 2001 من النظرية بالشكل الذي ذهب معه الكثيرون في الغرب إلى أنها تؤكد صحتها وأن الصدام لم يعد يقع في إطار الفكر، وإنما حدث بالفعل في إطار الواقع.

وبغض النظر عن المواقف المختلفة من النظرية ما بين رافض ومؤيد، إلا أن النقطة الأساسية التي ينبغي أخذها في الاعتبار، والتي نسعى إلى التأكيد عليها هنا، هي أن هنتنجتون رغم الشهرة التي حازها جراء طرحه لهذه النظرية إنما يمثل في نهاية الأمر استمرارية وليس قطيعة مع الفكر الغربي في التعامل مع الآخر ممثلا بشكل أساسي في العالم الإسلامي.

وهو ما يعني تبرئة هنتنجتون من تهمة كونه المحرض الأول على الصدام إذا نظرنا إليه من زاوية العالم الإسلامي، وانتزاع الفضل عنه في طرح النظرية إذا نظرنا إليه من زاوية غربية إذا كان في المسألة فضل من الأصل، ويشير إلى استحكام النظرة العدائية في الغرب تجاه الإسلام.

وتكشف النظرة المتأنية إلى مفهوم صدام الحضارات إلى أنه قديم وأنه يعود إلى بدايات القرن الحالي وليس إلى هنتنجتون أو حتى المستشرق اليهودي برنارد لويس، حسبما ذهب آخرون. فقد طرحه أرنولد تويبني بشكل غير مباشر في كتاب له صدر سنة 1923 بعنوان «المسألة الغربية في اليونان وتركيا دراسة في تفاعل الحضارات». ثم كان صدور كتاب آخر بعد ثلاث سنوات عام 1926 بعنوان مسار الإسلام الفتى :

دراسة في صدام الحضارات لمؤلفه باسيل ماثيوز وقد كان سكرتيرا أدبيا في الإتحاد العالمي لجمعية الشبان المسيحيين وكان منظور ماثيوز للإسلام كما كان لكثيرين من معاصريه يفهم لدى العديد من المعجبين بهنتنجتون على أنه ينطبق على عصرنا الحالي وهو يقول: إن الإسلام هو في صلبه نظام ذو طابع عسكري العقيدة صرخة حرب، ثواب الذين يموتون في الجهاد جنة مليئة بالعذارى أما الذين يبقون أحياء فلهم الغنائم.

وهو ما يتطابق بشكل كبير مع ما يذهب اليه هنتنجتون في كتابه حول صدام الحضارات من أن المشكلة الكامنة بالنسبة للغرب ليست في الأصولية الإسلامية وإنما تتمثل في الإسلام لأنه حضارة مختلفة أهلها مقتنعون بتفوق ثقافتهم ويستحوذ عليهم قصور قوتهم.

وعلى شاكلة هنتنجتون مع خلاف في التفاصيل طور توينبي رؤية في مجال صدام الحضارات تكاد ان تتطابق بعض جوانبها مع ما طرحه الأول، ما يشير الى صحة الفرضية التي نؤكد عليها من ان هنتنجتون في تقديمه لنظرية صدام الحضارات لم ينطلق من فراغ وإنما من مناخ يحمل في جذوره مناخ العداء للإسلام.

ففي عام 1947 ألقى أرنولد توينبي محاضرته الأولى ضمن سلسلة المحاضرات التي ألقيت في كلية برين مور في شهري مارس وفبراير عن مؤسسة ماري فلكتر وكانت المحاضرة بعنوان الصدام بين الحضارات ثم تم تضمينها في كتابه «الحضارة في الميزان».

وعلى أفكار هذه المحاضرة بنى هنتنجتون نصه في نظريته حول صراع الحضارات. فتوينبي نظر الى تاريخ الحضارات، حسبما يذكر رضوان زيادة في كتابه (صدى الحداثة) على أنه صدام بينها وأن هذه الحضارات إنما تقوم على الدين كمعتقد رئيسي ومرجع أساسي في قيام الحضارة. والجديد الذي قدمه توينبي هو إسقاطات النظرية على التاريخ المعاصر والمستقبلي .

حيث يقول إننا لا نزال في الفصل الاول فقط من قصة صراعنا مع حضارات المكسيك والبيرو والمسيحية الأرثوذكسية والإسلام والعالم الهندوسي والشرق الأقصى وقد أخذنا منذ زمن وجيز جدا نشاهد بعض آثار صراعنا مع هذه الحضارات ولكننا لم نبدأ في مشاهدة آثار الهجوم المضاد الذي ستقوم به علينا وستكون هذه الآثار هائلة بلا شك.

مصطفى عبد الرازق