أولاً: البشر، يقتضي حسن الهيئة، لأنه مشتق من البشارة، وهي حسن الهيئة. يقال: رجل بشر وبشير، إذا كان حسن الهيئة. وكذلك: امرأة بشيرة. وقيل: سمي الناس بشراً، لأنهم أحسن الحيوان هيئة. ويجوز أن يقال: إن قولنا: بشر، يقتضي الظهور. وسموا بشراً، لظهور شأنهم، ومنه قيل لظاهر الجلد: بشرة. فعبر عن الإنسان بالبشر اعتباراً بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوانات، التي عليها الصوف، أو الوبر، أو الشعر.
واستوى في لفظ البشر الواحد والجمع، فمن الأول قوله تعالى: (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين) (ص: 71-72). ومن الثاني قوله تعالى: (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) (الروم: 20-21). وقد جاء لفظه بصيغة المثنى في قوله تعالى: (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) (المؤمنون: 47).
وخص في القرآن كل موضع اعتبر من الإنسان جثته، وظاهره بلفظ البشر، نحو قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً) (الفرقان: 54).
ولما أراد الكفار الغض من الأنبياء، اعتبروا ذلك فقالوا: (إن هذا إلا قول البشر) (المدثر: 25).
وعلى هذا قال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) (الكهف: 122)، تنبيهاً على أن الناس يتساوون في البشرية، وإنما يتفاضلون بما يختصون به من المعارف الجليلة، والأعمال الجميلة، ولذلك قال بعده: (يوحى إلي)، تنبيهاً على أنه صلى الله عليه وسلم تميز بذلك عنا. وقوله تعالى: (فتمثل لها بشراً سوياً) (مريم: 17) فعبارة عن الملائكة، ونبه على أنه تشبح لها، وتراءى لها بصورة بشر.
ثانياً: والإنسان، يقتضي النوس، وهو الحركة، ويقتضي مخالفته البهيمة، فيذكرون أحدهما في مضادة الآخر. ويدل على ذلك أن اشتقاق الإنسان من النسيان. والنسيان لا يكون إلا بعد العلم، فسمي الإنسان إنساناً، لأنه ينسى ما علمه. وسميت البهيمة بهيمة، لأنها أبهمت على العلم والفهم، ولا تعلم، ولا تفهم، فهي خلاف الإنسان، والإنسانية خلاف البهيمية في الحقيقة، وذلك أن الإنسان يصح أن يعلم، إلا أنه ينسى ما علمه. والبهيمة لا يصح أن تعلم. قال تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) (البقرة: 31).
وقال تعالى: (وعلمناه صنعة لبوس لكم) (الأنبياء: 80). وقيل: سمي إنساناً لأنه عهد إليه، فنسي. ولهذا كله جاء الخطاب في القرآن للإنسان دون البشر، كقوله تعالى: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) (الانفطار: 6)، وقوله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه) (الانشقاق: