يقول الله تعالى: «أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله وكذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال». (الرعد:17).

يقول الشوكاني: ثم ضرب الله سبحانه لهم مثلاً وأمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يقوله لهم فقال: «قل هل يستوي الأعمى والبصير»، أي هل يستوي الأعمى في دينه وهو الكافر، والبصير وهو الموحد، فإن الأول جاهل لما يجب عليه، وما يلزمه، والثاني عالم بذلك ثم قال:

«أم هل تستوي الظلمات والنور»، والمراد بالظلمات الكفر وبالنور الإيمان، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، ثم ضرب سبحانه مثلاً آخر للحق وذويه، وللباطل ومنتحليه فقال: (أنزل من السماء ماء) يوضح الزركشي المثلين فيقول:

وقد ضرب الله تعالى لما أنزل من الإيمان والقرآن مثلين، مثله بالماء، ومثله بالنار، فمثله بالماء ما فيه من الحياة، وبالنار لما فيه من النور والبيان، ولهذا سماه الله روحاً لما فيه من الحياة، وسماه نوراً لما فيه من الإنارة، ففي سورة الرعد قد مثله بالماء فقال:

«أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها....»، فضرب الله الماء الذي نزل من السماء فتسيل الأودية بقدرها، كذلك ما ينزله من العلم والإيمان فتأخذه القلوب كل قلب بقدره، والسيل يحتمل زبداً رابيا، كذلك ما في القلوب يحتمل شبهات وشهوات.

روى ابن أبي حاتم عن قتادة قال: هذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد، يقول: كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله، وكما مكث هذا الماء في الأرض فأمرعت ونمت بركته وأخرجت نباتها، وكذلك الذهب والفضة حين أدخل النار، وذهب خبثه، كذلك يبقى الحق لأهله، وكما اضمحل خبث هذا الذهب والفضة حين أدخل النار كذلك يضمحل الباطل عن أهله.

أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس قال: هذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الزبد فيذهب جفاء، وهو الشك، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وهو اليقين، كما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار كذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك، وأخرج عن عطاء، قال: «هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر».

والسيوطي في موضع آخر من كتابه «معترك الأقران» تحدث بإسهاب عن هذين المثلين فقال معقباً على هذه الآية: «كماء أنزلناه من السماء...»: هذا مثل ضربه الله للحق وأهله، والباطل وحزبه، فمثل الحق كمالماء ينزل من السماء فتسيل به الأودية وتنتفع بها الأرض، والذهب والفضة والصفر وغيرها من المعادن التي ينتفع بها الناس وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله وزواله بالزبد الذي يرمي به السيل، وبزبد تلك المعادن التي يطفو فوقها إذا أذيبت، وليس في الزبد منفعة، وليس له دوام.

وقال ابن العربي في قانون التأويل: ضربه الله مثلاً للحق والباطل، فإنه خلق الماء لحياة الأبدان، كما أنزل القرآن لحياة القلوب، وضرب امتلاء الأوعية بالماء مثالاً لامتلاء القلوب بالعلم، وضرب الأدوية الجامعة للماء مثالاً للقلوب الجامعة للعلم.

وضرب قدر الأودية في احتمال الماء، بسعتها وضيقها، وصغرها وكبرها، مثالاً لقدر القلوب في انشراحها وضيقها بالحرج، وضرب حمل السيل الحصيد والهشيم، وما يجري به وما يدفعه مثالاً.. يدفعه القرآن من الجهالة والزيغ والشكوك ووساوس الشيطان، وضرب استقرار الماء ومكثه لانتفاع الناس به في السقي والزراعة مثلاً لمكث العلم واستقراره في القلوب للانتفاع به.

قال: هذا هو المثل الأول. وأما المثل الثاني فضرب فيما يوقد عليه النار بما في القرآن من فائدة العلم المنتفع به كالانتفاع بالمتاع، وكما أن النار تميز الخبيث في هذه من الطيب، كذلك القرآن إذا عرضت عليه العلوم يميز النافع فيها من الضار.

وللشريف الرضي رأي في هذا المثل فيقول بعد هذه الآية: وهذه استعارة، ثم يشرح المراد بضرب الأمثال، ويوضح أن المقصود به معنيان: أحدهما أن يكون أراد بضربها تسييرها في البلاد.. من قولهم: ضرب فلان في الأرض. إذا توغل فيها وأبعد في أقاصيها. ويقوم قوله تعالى: «يضرب الله الأمثال» مقام قوله: ضرب بها في البلاد.

والمعنى الآخر في ضرب المثل أن يكون المراد به نصبه للناس بالشهرة، لتستدل عليه خواطرهم، كما تستدل على الشيء المنصوب نواظرهم.

ويكون قوله سبحانه: «كذلك يضرب الله الحق والباطل» إلى هذا الوجه أي ينصب منارهما، ويوضح أعلامهما، ليعرف المكلفون الحق بعلاماته فيقصدوه، ويعرفوا الباطل فيجتنبوه.

وفي معرض البيان عن فائدة المثل وأنه يضرب لتقريب صورة الأشياء الخفية بصورة الأشياء الجلية المنظورة يوضح الفخر الرازي ما تضمنته هذه الآية من مثل يوضح حقيقة الإيمان والكفر، والحق والباطل قائلاً: اعلم أنه تعالى لما شبه المؤمن والكافر والإيمان والكفر بالأعمى والبصير والظلمات والنور، ضرب للإيمان والكفر مثلاً آخر فقال:

«أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها»، ومن حق الماء أن يستقر في الأودية المنخفضة عن الجبال والتلال بمقدار سعة تلك الأودية وصغرها، ومن حق الماء إذا زاد على قدر الأودية أن ينبسط على الأرض، ومن حق الزبد الذي يحتمله الماء فيطفو ويربو عليه أن يتبدد في الأطراف ويبطل، سواء كان ذلك الزبد ما يجري مجرى الغليان من البياض، أو ما يحفظ بالماء من الأجسام الخفيفة.

ولما ذكر تعالى هذا الزبد الذي لا يظهر إلا عند اشتداد جري الماء ذكر الزبد الذي لا يظهر إلا بالنار. وذلك لأن كل واحد من الأجسام السبعة إذا أذى بالنار لابتغاء حلية أو متاع آخر من الأمتعة التي لا يحتاج إليها في مصالح البيت، فإنه ينفصل عنها نوع من الزبد والخبث، ولا ينتفع به، بل يضيع ويبطل ويبقى الخالص.

فالحاصل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد، وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء والأجساد السبعة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو لأجل اتخاذ سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به، فهكذا. أنزل من سماء الكبرياء والجلالة والإحسان ماء وهو القرآن، والأودية وهي القلوب، وشبه القلوب بالأودية لأن القلوب تستقر فيها أنوار علوم القرآن.

كما أن الأودية تستقر فيها المياه النازلة من السماء، وكما أن كل واحد فإنما يحصل فيه من مياه الأمطار ما يليق بسعته أو ضيقه، وهكذا كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علوم القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته وخبثه وقوة فهمه وقصور فهمه، وكما أن الماء يعلوه زبد الأجسام السبعة المذابة يخالطها خبث.

ثم إن ذلك الزبد والخبث يذهب ويضيع ويبقى جوهر الماء وجوهر الأجساد السبعة كذا ههنا بيانات القرآن تختلط به شكوك وشبهات، ثم إنها بالآخرة تزول وتضيع ويبقى العلم والدين والحكمة والمكاشفة بالعاقبة، فهذا هو تقرير هذا المثل على الممثل به، وأكثر المفسرين سكتوا عن كيفية التمثيل والتشبيه.

ويشير ابن القيم في توضيحه لأمثال هذه الآية قائلاً: شبه الوجه الذي أنزله الله لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذى أنزله.. لحياة الأرض بالنبات وشبه القلوب بالأودية، فقلب كبير يسع علماً عظيماً كواد كبير يسع ماء كثيراً، وقلب صغير إنما يسع بحسبه كالوادي الصغير، فسالت أودية بقدرها واحتملت قلوب من الهدي والعلم بقدرها،.

وكما أن السيل إذا خالط الأرض ومر عليه احتمل غثاءً وزبداً، فكذلك الهدي والعلم إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات ليقلعها ويذهبها كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه فيتكدر بها شاربه وهي من تمام نفع الدواء، فإنه أثارها ليذهب بها، فإنه لا يجامعها.. ولا يساكنها، وهكذا يضرب الله الحق والباطل. و ذكر المثل الناري فقال:

«ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله»، وهو الخبث الذي يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد فتخرجه النار وتميزه وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به فيرمي ويطرح ويذهب جفاء، فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاء والغث، ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي يسقي منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه، وينتفع به غيره. ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما ويعرف ما يراد منهما، فليس من أهلهما. والله الموفق.

ويقول الحكيم الترمذي: فالحق مثل الماء الذي جرى في الأودية فسالت أودية بقدرها، أي اختلط الحق بالباطل، لأن النفس جاءت بأباطيلها ومناها وشهواتها التي هي إلى فناء، فمنتها، فاغتر بها القلب، والحق لا يفنى ولا يبلى. فقوله: أنزل من السماء ماء، أي القرآن، شبه القرآن بالماء، لأن فيه منفعة الدين من الأحكام والشرائع.

كما أن في المطر منفعة الدنيا، ثم شبه القلوب بالأودية لأنه وجد النور في القلب منفذاً ومجازاً، كما وجد الماء في هذه الأودية منفذاً ومجازاً. ثم شبه القلوب، وشبه الباطل بالزبد الذي يعلو فوق الماء، فكل قلب لم يتفكر ولم يعتبر، ولم يرغب في الحق خذله الله تعالى، ووجدت الظلمة والهوى في قلبه منفذاً ومجازاً.