قال تعالى: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله» فالقتال في الإسلام ليس لنشر الفتن ونهب الثروات ومص دماء الشعوب وإلحاقها بالدول العظمى سياسياً واقتصادياً، بل إن الجهاد هو لنشر الدين الحق وحمايته من المعتدين عليه والمضايقين له والمتربصين به.

إن الدولة الإسلامية دولة فكرية قامت على أساس العقيدة، فليست دولة عنصرية محدودة بحدود جنس معيّن، بل هي تضم كل الأجناس واللغات والألوان ممن ينتمي إلى الدين أو ممن يريد الانضمام إلى حماية الدولة الإسلامية. فالدولة الإسلامية لا تقف أهدافها عند توفير العيش الكريم وتحقيق الأمن ورد الاعتداء الخارجي عنهم.

وإنما تذهب في أهدافها إلى أبعد من ذلك، فهي تهدف إلى إسعاد البشر كلهم بحمل الإسلام إليهم وعرضه عليهم ودعوتهم إلى الدخول فيه واعتناق عقيدته. ومادام الإسلام دعوة للناس جميعاً مهما تباعدت أقطارهم فمن حقهم أن تصل إليهم هذه النعمة حتى يظفروا بالسعادة الأبدية.

إن اطلاعهم على الإسلام واعتناقهم له لا يتم إلا بإزالة العوائق التي تمنع وصول نور الإسلام إليهم، وأكبر هذه العوائق وجود الدول الكافرة التي تحجز نور الإسلام عن رعاياها، وإزالة هذه الكيانات الكافرة لا يتم غالباً إلا بالقوة، فأمر الله تعالى المسلمين أن يقاتلوا الكفرة المتسلطين على رقاب الناس إذا رفضوا اعتناق الإسلام أو دفع الجزية. فإذا زالت هذه الحكومات الكافرة أمكن الناس رؤية الإسلام وعدله.

كان ذلك في السابق حيث يمنع الحكام الكفرة دخول الدعاة إلى الله إلى بلدانهم، لكننا نجد في هذه الأيام الأبواب مفتحة على الدعاة إلى الله، يجوبونها شرقاً وغرباً من غير تضييق عليهم في الغالب، فينشئون المساجد ويدعون إلى الله ويعرِّفون الأقوام على الدين. عند ذلك لا حاجة إلى المحاربة من أجل ذلك، فقد كفانا الزمان مؤونة الحرب على الصادّين عن سبيل الله.

إلا أن هناك نوعاً آخر من الجهاد، وهو دفع المعتدين عن بلاد المسلمين، ويكون الجهاد في هذه الحالة واجباً عينياً على كل مسلم ومسلمة، كل حسب استطاعته لأجل إخراج الكفرة من دار الإسلام، لأن دخول الكفار دار الإسلام خطب عظيم لا سبيل إلى إهماله، فتسلّط الكفار على المسلمين سيؤدي إلى فتنة المسلم في دينه، وسيكون من الصعب عليه جداً أن يحيا الحياة الإسلامية.

كما ان الواجب يكون أيضاً في حالة أسر مسلم أو مسلمة، فيكون الفرض على كل المسلمين ويهبّون من أجل تخليصه من أيديهم وينقذونه من سجنه الظالم، حتى يشعر المسلم أنه ليس وحيداً في العالم، بل إن الدولة بكل رعاياها وجندها معه يشدّون من أزره ويدافعون عنه ويقاتلون الكفار لفك أسره، وبهذا يحس المسلمون جميعاً بمعنى التعاون الحق ويكونون.

كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». وبمعناه أيضاً حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله». كما ان هذا القتال من أجل استنقاذ أسرى المسلمين ولو كان بيد الكفار أسير واحد سيرهب العدو ويمنعهم من شنّ الغارة على المسلمين وأسر بعضهم، لأن هذا الصنيع سيدفع المسلمين إلى شنّ الحرب الجماعية عليهم، أما لو سكتوا عن أسير واحد فإن العدو سيأسر غداً عشرة ثم مئة وألفاً وعشرات الآلاف، والمسلمون ساكتون لا يتحرك لهم طرف.

إن الجهاد قتال عادل بكل الموازين البشرية، قتال نظيف من دنس الاستغلال والقهر، ولهذا قالوا: «لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب».

زكريا الطحان