داعية العصر أو الداعية المودرن حسبما يحبذ جيل الشباب إطلاق هذا الوصف على بعض الدعاة المسلمين الجدد، والذين يتخذون الفضائيات منبرا لهم، جعل هناك حديثا عن أهمية وجود مواصفات بعينها لدى هؤلاء الدعاة الجدد، وكذلك ضرورة وجود أسلحة قوية لديهم يتصدون من خلالها لأمور الدين.
علماء ومفكرون أكدوا أن أهم الأساليب التي يجب أن تكون بأيديهم هو العلم الدقيق بأمور وتفاصيل الدين من خلال القران الكريم والسنة النبوية الشريفة، وان يكونوا مدركين لمتطلبات العصر الحديث وخاصة أن اغلب المستمعين لهؤلاء هم من جيل الشباب.بعدما تغيرت النظرة القديمة تجاه الداعية. د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر يقول: ما أحوجنا إلى الداعية الذي يحذو حذو رسول الله وصحابته رضوان الله عليهم، وما أحوجنا إلى المسجد الجامع، والذي يجمع ولا يفرق ويقوي ولا يضعف.. إننا في حاجة إلى منهج للدعوة والتعليم ليعمق إيمان الأمة الإسلامية بعقيدة الإسلام وحقيقته ويفضح أباطيل خصوم الإسلام.
ولابد أن تتكاتف الجهود بين الدعاة والجهات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية لتعميق العقيدة الإسلامية السمحة في أبناء الأمة من خلال جميع القنوات التي تساعد على ذلك . أما د. حسن الشافعي الاستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة فيشير إلى أن الدعوة أمرها متاح للجميع ولكن الدعوة بمعنى النهي عن المنكر والأمر بالمعروف لها شروطها الخاصة التي وضعتها الشريعة الإسلامية ومن أهم هذه الشروط: «العلم والصبر والرفق بأمور الدعوة».
ويدعو د. الشافعي إلى منع غير المؤهلين لأمور الدعوة عن ممارستها عن طريق الإرشاد والتنبيه والتذكير بالأخطاء التي يقعون فيها حتى يمكن إيقاف سبيل الدعاة غير المؤهلين سواء كانوا على المنابر وفي الفضائيات خاصة أن هناك دعوة من أجل إنشاء جهاز رقابي على الدعوة الإسلامية يمكن من خلاله قانونًا إيقاف غير المؤهلين في أمور الدعوة خاصة أن هناك البعض يظهر في الفضائيات ويقومون ببعض الفتاوى الخاطئة باسم الدعوة.
أما د. طلعت عفيفي عميد كلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة فيرى أن مسألة الدعوة إلى الله من أفضل الآمال، ولكن هناك ضوابط لهذه الدعوة حتى يكون الداعية مؤهلا للقيام بها وهذه الضوابط تأتي انطلاقًا من قوله تعالى «قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين».
إذًا الآية الكريمة حددت ضوابط الدعوة وهي البصيرة بالعلم والمعرفة، هذا ما يخص الدعوة وأما فيما يتعلق بمسألة خلط الدعوة بالإفتاء فهذا أمر مختلف تماما لأن أمور الفتوى لا تجوز إلا لأصحاب العلم والتخصص وأهل القدرة والتصدي للأمور الفقهية التي تخص الناس.
الدعوة ليست وظيفة ويؤكد د. محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف المصري أن الدعوة ليست وظيفة أو مهنة ـ كما هي عليه اليوم ـ بل هي رسالة، وأعباؤها ليست سهلة هينة.. بل هي كفاح وجهاد وطموح من أجل هدف غال .. إن أسس الدعوة الإسلامية تكمن في قول الحق سبحانه وتعالى «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» .
حيث أوضح المفسرون أن هذه الآية وضعت ثلاثة عناصر للدعوة الصحيحة في مقدمتها الحكمة فلابد أن يكون الداعية واعياً فاهماً عالماً بأفضل الطرق المؤدية إلى غرضه، كما يلزم أن يكون على دراية بقواعد الدعوة بالنسبة لكل نمط من أنماط المدعوين .
ويعتبر د. زقزوق أن الموعظة الحسنة هي العلاج الوحيد لصلاح العالم، والحياة الحقيقية للأمم لا تكون إلا بمقدار انتفاعهم بالموعظة، بل الموعظة لا تؤتي ثمارها إلا إذا توافرت عدة أمور فيها ما يتصل بالداعية وأخرى بالمدعوين .
وما يتصل بالدعوة نفسها وإذا اكتملت هذه الأمور تحقق الموعظة عملها في الفرد والجماعة والأمة، وتأتي المجادلة بالتي هي أحسن ـ كأهم أسس للدعوة الإسلامية، لأنها أسلوب الدعوة مع الجاحدين والمعاندين وهي أهم أساليب نجاح الدعوة، فيما تؤدي إلى محاولة التغلب على التهريج والصخب وإظهار الخشونة والتجريح الذي يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً.
وسائل جماهيرية ويقول الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف المصرية الأسبق: إن الدعوة في منظورها العام هي مراعاة التبسيط في العرض انطلاقا من أن الإسلام دين الفطرة، والوعي بأهمية استخدام الوسائل الجماهيرية في عرض الدعوة، وضرورة ألا يستخدم الدعاة الأسلوب الوعظي المباشر فهذا الأسلوب وإن كان يحقق نتائج جيدة في مجتمع أو منطقة معينة، فإنه لم يعد الأسلوب الأمثل اليوم.
وينبغي مراعاة التركيز على الأحداث المعاصرة في عرض الأمثلة مما يحقق التفاعل بين الدين وأحداث الحياة، حيث لا يقتصر الحديث عن الماضي والتاريخ فقط ويجب أن يستجيب خطّاب الدعوة إلى القضايا المعاصرة التي تشغل الإنسانية كلها بوجه عام، وذلك بعرض حلول ومعالجات لها من منظور إسلامي، مؤكدا أن السماحة والقدوة الحسنة هي أساس الدعوة الإسلامية ودليل ذلك الإعرابي الذي جاء يطلب شيئا من رسول الله ثم قال له الرسول «صلى الله عليه وسلم» «أأحسنت إليك يا إعرابي »؟
فقال الإعرابي «لا ولا أجملت » فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار إليهم الرسول «صلى الله عليه وسلم» أن كفوا ثم قام ودخل منزله، وأرسل إليه وزاده شيئا ثم قال «أأحسنت إليك » قال نعم« فجزاك الله به من أهل وعشيرة خيراً» فقال له الرسول «أنت قلت ما قلت « في نفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم حتى يذهب ما في صدورهم عليك »، فالدعوة إذن هي روح الإسلام وحقيقة الإيمان وسر حياة الإنسان.
داعية مستنير وعن مواصفات الداعية العصري يقول المفكر الإسلامي د. عبد الصبور شاهين: إننا لسنا بحاجة إلى مساجد كثيرة بقدر ما نحن في حاجة إلى علماء أكفاء يؤدون رسالتهم والدور الواجب عليهم في هذه المساجد، لأن المسجد معنى وليس مبنى.
ونحن في حاجة إلى الداعية المتفتح على علوم العصر والمتفتح الفاهم لأمور الدين كي يربط الماضي بالحاضر ويهيئ المسلمين للمستقبل المشرق وهؤلاء الدعاة قليلون وخاصة الدعاة الجدد الذين هم في حاجة إلى صقل للفكر واستزادة للمعلومات ومعرفته بقضايا العصر وما يستجد على الساحة الإسلامية فالدعاة في الوقت الحالي إما أن يكون اشتغالهم بالدنيا حائلاً بينهم وبين الاستزادة من علوم الحياة.
وإما أن يكونوا عاجزين بمواهبهم الشخصية عن تحصيل المعارف المختلفة، وبالنسبة للصنف الأول فإنهم لم يستزيدوا من ثقافات أخرى وابتعدوا عن الواقع فيصبحون موظفين ضيقي الأفق فهم لم ينفتحوا على الحياة ولم يبحثوا في واقع الناس، ونحن بحاجة إلى دعاة يفقهون الحياة كما فقهوا الدين، ولم يعد ممكنا الفصل بين فقه الدين وفقه الواقع.
ويشير د. شاهين إلى أن الدعاة في هذا الوقت بخاصة لا ينبغي أن نلقي عليهم اللوم لأن الداعية لا يملك إلا الكلمة ،والأوضاع التي تعيشها الأمم لا تنشئها الكلمات، وإنما ينشئها الفعل والقوة، والذي يملك الفعل يستطيع أن يقول فيطاع، أما جهود الداعية المحصورة في القول فقط، فلا تستطيع وحدها أن تغير شيئاً، والكلام كثير وبضاعة الكلام رائجة في عالمنا سواء كانت بضاعة تدعو إلى الخير أو بضاعة تدعو إلى الشر .
القاهرة: وكالة الصحافة العربية

