تتميز التقاليد المعمارية العثمانية بقدرتها الهائلة على استقطاب المعماريين، على اختلاف توجهاتهم، في إطار إحالتهم إليها، وهم يعكفون على تصميم ما يسند إليهم من أعمال العمارة المسجدية.في غمار هذه الإحالة تبرز قضايا عديدة، متعلقة بالتقاليد والتاريخ واللغة المعمارية.

المدهش أنه في تركيا نفسها امتدت عقود طويلة من الإحجام عن العودة إلى المفردات العثمانية في العمارة المسجدية، ولم تبرز هذه العودة إلا في العقد الأخير وحده، حيث كانت النزعة الحداثية في العمارة هي الطاغية في تركيا.الواقع أن جهود الاستعانة بالتقاليد المعمارية العثمانية، في سياق حضري حديث، أسفرت في العديد من أرجاء العالم عن تحقق لغة معمارية حديثة، ذات مفردات واضحة الدلالة، تحافظ على التوازن بين التجسيد والتجريد.ويلفت نظرنا، بصفة خاصة، أن الإحالة التاريخية إلى منجزات سنان باشا في العمارة المسجدية يتم في الكثير من الحالات، الإبقاء عليها على المستوى المشهدي فحسب.ويلفت نظرنا أيضاً ما يبذله الكثير من المعماريين العرب في الجمع بين الرموز العثمانية خاصة في القبة والمئذنة وبين الحضور المقبول للتقنيات الجديدة في الإنشاء والمشروع الزخرفي على حد سواء.

من شأن نظرة واحدة على مسجد سعد بن أبي وقاص في أبوظبي، الذي تأسس عام 1979 وتمت إعادة بنائه وإعماره في 3 أكتوبر عام 2005 أن تطلعنا على جانب من الجهود المميزة التي بذلت في هذا الإطار.

العين لا تخطئ الاستحضار القوي للتقاليد المعمارية العثمانية المبكرة في تصميم هذا المسجد، حيث المآذن الأربع تؤطر الانسيابية المتناغمة لمجموعة القباب وأنصاف القباب، التي تتكامل لتشكل سقف المسجد، ولتتوج كتلته القوية.

والعين في رحلتها التأملية لهذا المسجد تتوقف عند أروقته وعند حفاظ خارجه على التماسك والصمود في مواجهة الخارج ذي الظروف المناخية الصعبة، وفي الوقت نفسه تحقيق الجماليات الفريدة في هذا الخارج نفسه، عبر النحت في كتلته سواء أكان غائراً أم بارزاً.

خلافاً للمساجد العثمانية المنتمية إلى المراحل المبكرة، فإن داخل هذا المسجد لا يعكس مشروعاً زخرفياً غارقاً في بحر من التفاصيل، وإنما الزخارف هنا أقرب إلى الإيماءات والالتفاتات والإشارات الجمالية، منها إلى أي شيء آخر.

لكن هذا التوظيف المتقشف لعناصر المشروع الزخرفي يحقق، في نهاية المطاف، جماليته الخاصة، التي تومئ من طرف خفي إلى أنها وليدة إلهامات صوفية، كما كان السلف الصالح يعبر، أكثر مما هي وليدة إغراق في الحرفية والصنعة.