رغم حياتهم البسيطة إلا أنهم سعداء بها، ورغم مساحة بيوتهم الصغيرة، والتي لا تتجاوز أمتاراً قليلة فوق سطح الماء ، إلا أنهم يشعرون بالراحة ولديهم قناعة تبدو وكأنها الكنز الذي يستمدون منه طاقتهم في الحياة ، إنهم الصيادون الذين يعيشون فوق صفحة النيل في القاهرة وحلوان والمعادي وإمبابة والوراق وفي جزيرة الذهب أو جزيرة محمد أو على ضفاف مصر القديمة.
ويعيش الصيادون حياة مختلفة تماماً عن حياة الناس على البر، يقضون معظم حياتهم فوق صفحة النيل في أيام البرد القارس وتحت حرارة الشمس الحارقة، قواربهم وهي بيوتهم التي يمارسون من خلالها حياتهم ويسعون بها بحثاً عن رزقهم في النيل، حياة كاملة يعيشونها داخل قواربهم الصغيرة بعيداً عن زحام شوارع القاهرة، وبعيداً عن التلوث والضوضاء ، تُرى ما هي حكاية هؤلاء.ولماذا لجأوا إلى النيل ليحتموا به، وليبحثوا بداخله عن رزقهم ، ما هي أسرارهم وحكاياتهم، وكيف يتعاملون مع المشاكل التي تواجههم، أثناء إبحارهم في النيل. نحن نحاول من خلال هذا التحقيق كشف أسرارهم. القارب هو أهم ممتلكات الصياد على الإطلاق فهو منزله الذي يعيش فيه مع زوجته وأولاده.
كما أنه وسيلة تنقله في النيل إلى الأماكن التي يصطاد فيها السمك، فالنيل هو مصدر رزق الصياد الوحيد ، أما وسيلة الصياد الوحيدة في الحياة بين ضفتي نهر النيل فهي القارب الذي يمتلكه الصياد، وعادة ما يكون قارباً صغيراً لا يتعدى طوله مترين وعرضه متراً واحداً، ويطلق عليه القارب الصغير، ولا يتسع سوى لشخص واحد ، أما القارب المتوسط فهو يتسع عرضه إلى مترين وطوله أربعة أمتار، أما القارب الكبير أو العائلي، فمساحته تتراوح ما بين 8-6 أمتار طولاً و5-3 أمتار عرضاً.
صلاح الرشيدي - صياد - يوضح أن القوارب الكبيرة تنقسم إلى ثلاثة أجزاء أهمها، الجزء الأوسط أو بطن القارب، ويطلق عليه الصياد اسم «البوطنة» وفيه ينام الصياد وأسرته، ويمارسون بداخله جميع شؤون حياتهم ومعيشتهم باعتباره بيتهم وملاذهم الوحيد في الحياة، وفي هذا القارب يوجد مكان مجهز لطعام الأسرة كما يوجد به مكان مخصص لنوم الأولاد الكبار أعلى القارب، أما الأطفال الصغار فينامون مع والديهم داخل «البوطنة».
صناعة القوارب
وعن صناعة القوارب يقول تصنع القوارب من خشب شجر الكافور، والذي يتميز بتحمل ضغط المياه وقلة تشربه لها، ويتراوح ثمن القارب ما بين 3000-10000 جنيه، وهناك بعض المدن التي تشتهر بصناعة القوارب وخاصة المدن الساحلية، أو المدن التي تقع على شاطئ النيل، مثل مدينة رشيد بمحافظة البحيرة أو بني سويف بشمال الصعيد.
والفيوم ودمياط، ويشير إلى أن شبكة الصيد هي الأداة الثانية والرئيسية التي يعتمد عليها الصياد إلى جانب القارب في حياته النيلية، فلا يمكنه الاستغناء عن القارب أو الشبكة طيلة حياته. ويتم صناعة الشبكة من خلال قيام بعض محترفي تلك الصناعة بغزل الشباك على الشاطئ بخيوط خاصة بالغزل، ومعظمهم أيضاً من محترفي الصيد أو من شيوخ المهنة وكبار السن الذين اعتزلوا حياة البحر، لذا فهم يستثمرون خبراتهم في غزل الشباك، أو صناعة القوارب في بعض الأحيان.
ويشير الرشيدي إلى أن تدعيم الشباك يتم بقطع الرصاص حتى لا تطفو فوق الماء، كما يضاف إليها قطع الفلين، حتى يتمكن الصياد من معرفة موقع شباكه عندما يعود إليها مرة أخرى، ويمتلك كل صياد أكثر من شبكة واحدة، وأثناء رحلة الصيد يقوم بنشر الشباك في عرض النيل في أماكن ومناطق محددة يعرفها بخبرته بأنها أماكن لتجمع الأسماك، ويترك هذه الشباك لعدة ساعات ثم يعود إليها ليجمعها ويحصد الأسماك التي بداخلها.
ويشير إلى أن غزل الشباك يختلف من شبكة إلى أخرى حسب غرزة كل شبكة، فهناك شباك ذات عيون واسعة وأخرى ذات عيون صغيرة، ويتم استخدام كل شبكة حسب الهدف الذي صنعت من أجله، فإذا كان الصياد يريد صيد السمك البلطي الكبير، فهو يلقي بالشباك ذات العيون الواسعة، وإذا كان يريد صيد السمك الزريعة أو البساريا «السمك الصغير» يلقي بالشباك ذات العيون الضيقة.
ربع قرن
وفوق أحد القوارب النيلية بمنطقة الوراق التقينا سيد عبدالستار - صياد - فقال لنا إنه يعيش بين ضفتي النيل منذ قرابة ربع قرن، وهو يعتبر حياته فوق مياه النيل أمراً طبيعياً، ويقول إنه لا يخرج إلى البر إلا لبيع السمك أو شراء الخيوط أو الغزل والرصاص أو الشباك أو بعض احتياجاته الخاصة بحياته في النيل.
ويقول عن حياة الصيادين إنها تتميز بالصبر والجلد والصمود ويعد الصبر أهم شيء يتعلمه الصياد في حياته من تلك المهنة، لذا فإنك تجد جميع الصيادين يتميزون بالصبر وعند مناقشة الأمور الخاصة بحياتهم، ويرجع ذلك لأن مهنة الصيد هي أكبر دروس الصبر في الحياة، لأن الصياد قد يخرج لصيد ويظل لمدة يومين أو ثلاثة أيام دون أن يرزق بسمكة واحدة .
ورغم ذلك فالصياد لا يعرف اليأس أبداً، فهو يعلم دائماً أن رزقه عند الله، وسوف يأتيه الفرج والخير عندما يعود في نهاية اليوم بصيد وفير، فهو يعوضه أيام العسر. ويوضح أن الصياد لا يعمل وحده فوق قاربه، فجميع أفراد الأسرة يتعاونون في عملية الصيد، فيقوم الزوج بإعداد الشباك وإعادة غزل المتهتك منها، ويعاونه في ذلك جميع أفراد أسرته «أولاده وزوجته» .
وعندما يبحر في رحلة الصيد تقوم الزوجة بالتجديف ويتولى الأطفال الصغار جمع السمك من الشبكة وهو دور يسعدهم كثيراً عندما يشاهدون السمك وهو يتحرك في الشباك ، بينما يقوم الأب أو الزوجة بالدور الرئيسي في عملية الصيد وهو اختيار أماكن الصيد، وطرح الشباك وجمعها، لأنها عملية تحتاج خبرة في اختيار أماكن الصيد، كما تحتاج إلى القوة العضلية والخبرة أيضاً في طرح الشباك وجمعها حتى لا يفلت منها السمك بعد صيده ، ويقول عبدالستار إن مواعيد الصيد غير محددة.
فقد تبدأ في ساعة متأخرة من الليل، وخلال تلك الرحلات الليلية يلجأ الصياد إلى الأماكن التي يتجمع فيها السمك تحت أضواء أعمدة الإنارة على جانبي شاطئ النيل، كما يصطحب الصياد معه في هذه الحالة مصباحاً ضوئياً يستخدمه في الأماكن المظلمة حيث يتجمع السمك في المساء حول مصادر الضوء فيسهل اصطياده. وقد يخرج الصياد إلى الصيد مع الساعات الأولى من الفجر أو الصباح أو عند الظهيرة، لذا فإن الصيد غير مرتبط بموعد محدد، ويمكن أن يمارسه الصياد في أي وقت من اليوم بالليل أو النهار.
ورغم ذلك فإن هناك أوقاتاً محببة للصيد خلال فصل الشتاء وخاصة وقت الظهيرة، عندما يصعد السمك إلى سطح الماء للتمتع بالدفء هرباً من برودة المياه في قاع النيل مع انخفاض درجة الحرارة ، ولا يرتبط عمل الصياد بساعات عمل محددة، ولكنه يرتبط بمقدار ما يحصل عليه من أسماك، فإذا رزقه الله بالخير فهو ينهي عمله بسرعة ويعود إلى الشاطئ لبيعه، وإلا كان عليه أن يستمر في عمله حتى يمنحه الله رزقه.
مجتمع القوارب
ويقول صبري العمدة عن حياة الصيادين الاجتماعية داخل القوارب: إن مجتمع القوارب في النيل مجتمع مترابط للغاية، حيث يعرف جميع الصيادين بعضهم البعض، كما يعلمون الظروف الاجتماعية التي تعيش فيها كل أسرة، ويساند بعضهم البعض في الملحات، كما يشاركون بعضهم في الأفراح والمناسبات، وكثيراً ما تم زفاف بعض الصيادين في النيل، وفي مثل هذه المناسبات يتم تزيين القوارب بالورود والزينات ليتم زفاف العروسين، كما يحدث تماماً على البر حينما تتجمع السيارات لزفاف العروسان.
كما يشير إلى أن مجتمع القوارب له عادات وتقاليد مثيرة في الزواج، فهم لا يتزوجون من خارج مجتمعهم، وذلك لأن الحياة داخل القارب تحتاج إلي طبيعة خاصة وزوجة تتحمل أن تعيش طيلة عمرها داخل هذا القارب الصغير وبين ضفاف النيل، كما أنه يكون على الزوجة مساعدة زوجها في عمله بالإضافة إلى إعداد الطعام ورعاية الأولاد والزوج.
والتجديف وجمع الشباك وإصلاح الغزل، لذا يجب أن تتمتع زوجة الصياد بمهارات خاصة، لذا تجد الصيادين يتزوجون من داخل مجتمعهم لأن فتيات ونساء هذا المجتمع يعرفون جيداً طبيعة الحياة مع رجل مهنته الصيد، ويقضي كل وقته داخل قارب صغير هو مصدر رزقه وبيته في ذات الوقت.
القاهرة- حازم خالد:

