فكر الأفغاني يمثل الفكر الديني المستنير، ويتجلى ذلك في تعامله مع قضايا المجتمع الذي عاش فيه، ودراسة قضاياه ومحاولة إيجاد حلول لها مستنبطة من القرآن والسنة، هذه نقطة، والأخرى إذا قيست عقليته بعقول معاصريه، نجد أنه كان أوسع أفقا وأرحب صدراً، وأعظم تفهما للنصوص وسوف نلخص حركة الأفغاني داخل مجال الدين في نقاط مركزة:
ـ الدعوة إلى الجامعة الإسلامية: عكف الأفغاني على الدعوة إلى الوحدة الإسلامية من خلال لم شمل الأمة، وجمع دولها تحت ما سمى في ذلك الوقت بالجامعة الإسلامية، وكانت تعني وحدة العالم الإسلامي من أقصى المشرق إلى أقسى المغرب تحت زعامة سلطان العثمانيين.
وقد كرس الكثير من مقالاته التي دبجها في العروة الوثقى لهذه الدعوة، وأيده الكثير من المفكرين، إذا كان السلطان العثماني يمثل في ذلك الوقت الملجأ الذي تلجأ اليه الدول وتحتمي به ولو من الناحية الصورية وبعد جهد جهيد، رأى من خلال استقرائه لحوادث التاريخ، وطبيعة الواقع الأليم الذي يعيشه العالم الإسلامي، صعوبة تحقيق إقامة حكومة إسلامية تخضع لرئيس واحد وعملا بالحكمة العربية إذا لم تستطع ما تريد فأرد ما يكون، اكتفى بالدعوى إلى ان ترتبط هذه الحكومة بروابط محكمة ويكون لها مقصد واحدة.
وتحكم الأقطار كلها بحكومات إمامها القرآن وأساسها العدل والشورى، واختيار خير الناس لتولي الأمور، ومن الجدير بالذكر أن فكرة وحدة العالم الإسلامي بزعامة تركيا، عارضها بعض المفكرين لاعتقادهم أنها ليس جديرة بذلك، وإلى هذا الرأي ذهب عبدالرحمن الكواكبي 1902 في كتابه «أم القرى» حيث طالب بوحدة العالم الإسلامي بزعامة الحجاز لأنها أطهر البقاع ومنبت النور والرسالة.
ـ الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد «بسبب التدهور الذي لحق بالدول العربية الإسلامية لاسيما بعد تدمير بغداد على يد هولاكو، أتى عليها عصور من الاضمحلال والركود، وكان من جراء ذلك إغلاق باب الاجتهاد وظل الفكر الإسلامي يجتر حصيلته السابقة ويقلب في دفاتره القديمة وعكف الفقهاء وعلماء الكلام يعيدون صياغة الأفكار السابقة بأسلوب بلاغي، ويشرحون المتون، ويضعون هوامش عليها وحاشية على الهوامش.
هذا الوضع المتردي أثار انتباه الافغاني، لذلك أخذ على عاتقه المطالبة بفتح باب الاجتهاد، يقول «ما معنى باب الاجتهاد مسدود، وبأي نص سد باب الاجتهاد أو أي امام قال: لا ينبغي لاحد من المسلمين بعدى ان يجتهد ليتفقه في الدين؟ فالقرآن ما أنزل إلا ليفهم ولكي يعمل الإنسان بعقله ليتدبر معانيه، وفهم أحكامه والمراد منه.
الدعوة إلى مسايرة أفكار العصر، والأخذ بالمنهج العلمي كما ساد في أوروبا، والانفتاح على الغرب، والاستفادة من مبادئ العلم والصناعة وجل الأفكار التي تتفق مع العقيد. من المهام الكبرى التي نهض بها الأفغاني دفع شبه الجير عن العقيدة وتنفيذ مقولة ان القضاء والقدر يسلب حرية الإنسان لأن العلم الإلهي القديم، لا يقيد حركته ولا يمنعه من استخدام حريته في مواجهته الأحداث.
ويشعر الإنسان من نفسه أنه قادر على الفعل وعدم الفعل، ويدرك بواسطة عقله كيف يميز بين الخير والشر، ومن أبرز الأدلة على الحرية الإنسانية، التكليف الإلهي، ومن ثم على المسلم أن يسعى ويجد ويجتهد. ويبذل قصارى جهده في أداء الأمانة وتحمل مسؤوليته، تجاه وقائع حياته. خلاصة القول، ان كلمات الأفغاني وأفكاره مازالت حية نابضة فعالة، تؤتي أكلها في الذهنية العربية، بعد أن أيقظ الشرق، وأدى الأمانة فعد بحق رائداً من رواد الوعي الإنساني.