يلاحظ المؤرخ الذي يستعرض تاريخ إبراهيم عبد القادر المازني أنّ حياته الثقافية تنقسم قسمين يكادان يكونان متمايزين، فشطر حياته الأول غلب عليه اهتمامه بالشّعر، وصَدر له في تلك المدة أكثر من مجموعة، وشطره الثاني صار في ظلال النثر الفني: وخصوصاً المقالة بأنواعها، مع اهتمام بالقصّة. وصدر له عدد من الكتب ضمّت مقالاته وبحوثه وقصصه. وكان له إسهام مذكور في الترجمة أيضاً.
ونُشير هنا إلى ما ظهر على شعره ونثره من غلبة السُّخرية التي يخالطها شعور بالألم، قد يصل إلى الإحباط أحياناً. وحين ألّف أحمد عبيد (وهو كتبي أديب من الشام) كتابه عن شعراء العصر استكتب المازني عن حياته بقلمه وسأله اختيار نماذج تعجبه من شعره، فكتب رسالة شديدة السخرية مع نماذج من دواوينه، وقال له: انشرها إن شئت أو احرقها لا فرق عندي، واستشهد ببيتين من شعره وهما:
وإذا ما شئتَ فاحْذِف صَفحاتْ
خيرُ ما فيها وأغلاها المِدادْ
نفعُها للطّابعيها وَرقاتْ
وهي بعدَ الطّبع للنّار عتادْ!
وصدّر ناشر الكتاب القسم الخاص بالمازني بقصيدة من عشرة أبيات يصف فيها صورته، ويخصُّ وجهه على طريقته التهكميّة، وسَماها: «صورة شنعاء»!
ومن الشعر الذي اختاره المازني لنفسه قطعة وُضِع لها عنوان «خيبة الأمل في الحياة» وكأنها توضح، أو تشرح قضية الصورة الشّنعاء التي تقدمها مرآة النفس لا مرآة الزجاج، قال:
ما كنتُ آمل أن أحْيى بمنتزَحٍ
عن الهُموم وهل عنهُنَّ حيدانُ؟
أعددتُ للدّهر درعاً كنتُ أحسبها
متينةَ فإذا بالدّرع كتَانُ!
وكنتُ أنظر في قلبي وأحسبُ في
بُطنانه لقلوبِ الإنس ظهران
فشدّ ما موّهَتْ نفسي وجوهَهمُ
حتى تشابه عقيانُ وصيدانُ
(العقيان: الذهب والصيدان: النحاس)
وإنما النفس مرآةٌ إذا كَرمَتْ
فكلّ ما تُبصر العَينان حُسَّانُ!
وتحدّث كثيراً عن «راحة الموت» و«فسحة القبر» وما شابه ذلك ممّا يقع تحت عنوان «الغرابة». ويعللّ د. ضيف مثل هذا في تجربته الشعرية ويوجّهه، فقد قال عن شعره في الجزء الأول من ديوانه إنه: تجربة نفسية تامّة، وهي تجربة تفيض بالألم والكآبة إزاء الطبيعة، والتفكير في النفس والحياة الإنسانية ومتاعس البشرية.
ويأخذ ذلك شكل انفجارات وجدانية، وربما كان مرجع ذلك عنده إلى أنه كان صاحب نفس حساسة وشعور مرهف إلى أبعد ما يكون الإرهاف الدقيق، ولم يكن شيء في حياته مفرحاً، فقد ذاق ألم اليُتم صغيراً، وكان قصيراً تقتحمه العين وأحَسَّ ذلك في نفسه فضاق بحياته وتبرّم بها غاية التبرّم، وزاد تبرّمه حدّة إلى أن أصيب ساقه في حادثة سببّت فيه عَرجاً لازمه إلى مماته».
ـ وقد وردت القصيدة المشار إليها في ديوان المازني بعنوان (النظر إلى وجهي) وهي بلا عنوان في كتاب الأستاذ عبيد، وفيها:
انظر إلى وجهي الشتيم اللعين
واحمدْ على وجهك ربّ الفنونْ
أحْسَبُ أنّ الله ما صاغني
كذاك إلا رغبة في المُجُونْ
لو كنت للناس إلهاً إذنْ
كنت بنفسي أوّل الكافرينْ
بل كنت أعنو للذي صغتُه
كما عنا (زوس) الإله الفطين
ما ذنب إخواني ارميهمُ
بصورة شنعاء تقذِي العيون
لم أُلفِ من بينهمُ واحداً
يعيرني رونقهُ والفتونْ
يا ليتهم بالحسن يُعدونني
لما غدوا يُذكون وقدَ الحنينْ
مَزيّتي لا الحسنُ أزهى بهِ
كلا ولا شعري السّخيف الهجينْ
ولا ثراء المال أو صيتهُ ال....
خاوي ولا الفضل الصّريح المبين
لكنّه الإخلاصُ لو أنّه
يكون لي يوماً شفيعي المكينْ!
ومن يقرأ أشعار المازني، وجوانب من نثره يلمح هذا الموقف الذي يجمع السّخرية إلى المرارة، والاهتمام السلبي ـ إن صحَّت العبارة ـ بشكله وبحاله جميعاً.