تحدثنا عن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمثل ركيزة أساسية من ركائز الإيمان مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وما دام الأمر كذلك، دعونا نتوسع أكثر في الحديث عن هذه الركيزة الأساس. يقول بعض أئمتنا الأجلاء: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقان من خلق الله، فمن نصرهما أعزه الله، ومن خذلهما أذله الله».

يعلق على ذلك أحد كتابنا الميامين بقوله: «نعم، إنهما كذلك، لأن فيهما نشراً للفضيلة ودعوة إلى الحق والهدى وتقويماً للمجتمع الزائغ لئلا يتيه في دروب الضلال المظلمة ويوغل في متاهات الانحراف عن الخط الرسالي الذي أوضح معالمه رسول الله صلى الله عليه وسلم» ويردف: «إن كل فرد من أفراد الأمة إذا شعر بواجبه وقام به وانطلق يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، انعدم المنكر وتحقق المعروف، وسارت الأمة في طريقها المستقيم».

وننظر في لعنة الله على بني إسرائيل على ألسنة أنبيائهم فيم كانت اللعنة التي حلت بهم؟ يوضحها ربنا في قرآننا بأن سببها هو عصيانهم وكفرهم وعدم نهيهم عن منكر فعلوه، وهذا حالهم في كل مكان وفي كل زمان.

قال تعالى: «لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون» سورة المائدة ـ الآيتان 78 ـ 79. من كل ذلك يتوجب علينا ان نقف على مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالمعروف هو كلُّ أمر حسن يتوافق مع الشريعة الغراء هدفاً وتوجهاً.

وليس ما يتوافق مع الهوى وفجور النفس وانما مع تقواها وتزكيتها من كل رجس يدنسها، وبالتالي، فإن المنكر هو كل أمر قبيح ينكره القلب وينكره المجتمع من حولنا وعليه، فالأمر بالمعروف: الحث على المضي فيما يقود إلى طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والنهي عن المنكر بديهة: المنع من فعل المعاصي قولاً أو فعلاً.

والقرآن الكريم جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أبرز موجهات الرسالة الإسلامية وأوضح معالمها، وأهم خصائص صاحب الرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول وأهم واجباته في الدعوة إلى الله تعالى. قال تعالى في كتابه العزيز:

«الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات» سورة الأعراف ـ الآية 157.

ويلاحظ أن هذا الخطاب القرآني موجه إلى أهل الكتاب من يهود ونصارى، فهل ائتمروا بالمعروف وهل انتهوا عن المنكر؟ إن الإجابة تأتي من نص القرآن الكريم في الآيات من 78 في سورة المائدة من قوله تعالى: «لعن الذين كفروا من بني إسرائيل..» الآية ثم التي تليها وهي الآية 79 من السورة نفسها في قوله تعالى:

«كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون» ويمضي السياق القرآني في هذه الآيات الكريمة من سورة المائدة فتوضح لنا الآية 80 ولاءهم للذين كفروا «ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا..» الآية والمقصود في الآية ما كان منهم من ولاء لمشركي مكة، عبدة الأصنام وهم أهل كتاب وبلغ بهم الأمر انهم عندما سألهم مشركو مكة: هل نحن أفضل في شركنا أم محمد، لم يترددوا ان قالوا لهم:

بل انتم الأفضل، وهو أمر ليس غريباً من هؤلاء اليهود الذين حذرنا منهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بأنهم الأشد عداوة لنا وبأنهم لن يرضوا عنا إلا أن نرتد عن ديننا، واذا كان هذا موقفهم في فجر الإسلام فهم لا يزالون على ذلك في هذه العداوة الشديدة لنا والأمر واضح فيما يجري على أرض الواقع المعاصر، فهل نحلم بسلام معهم؟

ان عداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في تصاعد مستمر وقد حاولوا أكثر من مرة اغتياله لولا عصمة الله له، ولأنهم كذلك ـ نعني يهود الحجاز ـ فقد كان موقف رسول الله حاسماً معهم على ما هو معروف في السيرة مما جرى مع بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع وخيبر فإذا كان هذا شأن القوم مع رسولنا، فهل سيكون شأنهم سلماً ومودة معنا عبر القرون؟ ان هذا ما لا يمكن ان يحدث «حتى يلج الجمل في سم الخياط».

ونمضي مع واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يكون إلا بالكلمة الطيبة ـ وهي أوسط الوسائل الثلاث التي أشار إليها حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهي: اليد واللسان والقلب ومن الملاحظ ان وسيلة اللسان أي النصح بالكلمة هي الأغلب خصوصاً في زماننا هذا، وعليه فما دام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الدعوة إلى الله، فلا يكون ذلك إلا بشرطين ـ على ما ذكر الدكتور محمد السيد الوكيل في كتابه: «أسس الدعوة وآداب الدعاة» وهذان الشرطان على ما أوردهما:

أن يكون الداعي عالماً بالحكم الشرعي لما يأمر به وينهى عنه لأنه إذا لم يكن كذلك، يتعرض للخلط والخطأ، فيحسب السنة واجباً والمكروه حراماً، ولا يفرق بين البدعة والسنة، وحينئذ يقع في المحذور، فيأمر بالمنكر وينهى عن المعروف.

أن يتحرى ـ الناصح ـ الطريقة المناسبة عند أمره ونهيه، مراعياً الظروف والأحوال التي يعيش فيها الناس، لأنه إذا لم يفعل ذلك، يترتب عليه من الأضرار ما كان المسلمون في غنى عنه، فقد يغلظ في موطن الرفق أو يتهاون في موقف لا يصلح فيه إلا الحزم، وعندئذ تضيع الفرصة وتنعدم الفائدة، وهذا الشرطان ـ يستطرد الدكتور الوكيل قائلاً: مأخوذان من قوله تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» سورة النحل ـ الآية 125.

وثمة أمر في غاية الأهمية وهو الإخلاص في المسعى لأن هذا الإخلاص هو جسر التواصل بين القلوب، فما يخرج من القلب ـ كما يقولون ـ يدخل في القلب، ومن الأهمية بمكان أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مطبقاً ذلك في نفسه وفي أهله وكل من له صلة به، فنصحه لن يجد الاستجابة من الآخر ما لم يكن مطبقاً منه. فكما يقول الشاعر:

يا أيها الرجل المعلم غيره

هلا لنفسك كان ذا التعليما

ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبره بعض العلماء فرض عين ـ أي انه واجب على كل فرد.