أولا: النفي خلاف الإثبات، ومعناه في اللغة: الإخراج. يقال: نفي فلان من بلده، إذا أخرج، وسير ومنه قوله تعالى: «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً ان يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض». (المائدة: 33).
وأما الجحد فهو نقيض الإقرار، وكذا الجحود، ومعناه في اللغة: إنكار ما تعرفه، لا مطلق الإنكار. وقيل: الجَحْدُ، والجُحْدُ، والجَحَدُ: قلة الخير. وقيل: الجَحْد: القلة من كل شيء. ويقال: جحَد الشيء، يجحَده جحْدا وجُحُودا: أنكره مع العلم به، فهو جاحد. وجَحَد بالشيء. وقوله تعالى: «وجَحَدوا بها»، عداه بالباء لأنه في معنى: كفروا. وكذلك قوله تعالى: «وكانوا بآياتنا يجحدون» أي: بكفرهم بآياتنا. ولا يقال ذلك إلا باللسان دون القلب.
وأما الإنكار فهو نقيض المعرفة والعلم، وأصله ان يرد على القلب ما لا يتصوره، وذلك ضرب من الجهل، قال تعالى: «فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون» (يوسف: 58) وقد يستعمل ذلك فيما ينكر باللسان. وسبب الإنكار باللسان هو الإنكار بالقلب، لكن ربما ينكر اللسان الشئ وصورته في القلب حاصلة، ويكون في ذلك كاذبا، وعلى ذلك قوله تعالى: «يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون» (النحل: 83).
ثانيا: الفرق بين النفي، والجَحْد: أن النافي إن كان صادقا، سمي كلامه نفيا، ولا يسمى جحْدا. وإن كان كاذباً، سمي جحْدا، ونفيا أيضا. فكل جحد نفي، وليس كل نفي جحدا. ومثال النفي قوله تعالى:
«ما كان محمد أبا أحد من رجالكم» (الأحزاب: 40). ومثال الجحد نفي فرعون وقومه آيات موسى، قال تعالى: «فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا» (النمل: 14 أي: وجحدوا بها، وهم يعلمون أنها من عند الله تعالى. ومن العلماء من لا يفرق بينهما والأصل ما ذكرناه.
ثالثا: الفرق بين الجحد والإنكار: ان الجحد أخص من الإنكار، وذلك ان الجحد انكار الشيء الظاهر، والشاهد قوله تعالى: «وكانوا بآياتنا يجحدون» (فصلت: 15)، فجعل الجحْد مما تدل عليه الآيات، ولا يكون ذلك إلا ظاهراً.
وقال تعالى: «يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها» (النحل: 83) فجعل الإنكار للنعمة، لان النعمة قد تكون خافية. ويجوز ان يقال: الجحد هو انكار الشيء مع العلم به، والشاهد قول الله جل وعلا: «وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا» (النمل: 14) فجعل الجَحْد مع اليقين والإنكار يكون مع العلم، وغير العلم.