مع أن أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تسر صديقاُ أو عدواً، ومع أن هذه الأوضاع تكاد تسحق الإنسان العربي وتقتل أحلامه وتؤدي به إلى حالة «إحباط» منقطعة النظير، ومع أن الفرد منا ليس أمامه إلا أن ينسى ويتناسى ما هو فيه كل يوم ليستطيع أن يمرر نهاره ويصل إلى ليله، أما الغد فهو في علم الغيب وأمره إلى الله ذلك أنه إذا أراد أن يفكر لمدة ثلاثة أيام أو أسبوع أو شهر لعصف به الهم وقتله الخوف وسحقه الهلع، فإن ظواهر غريبة تظهر في مجتمعاتنا مما ننقله عن غيرنا لا يملك الناظر والمدقق فيها إلا أن يقول لا حول ولا قوة إلا بالله.
من هذه المهازل ما يسمى باللوك (Look) وهو يعني المظهر الخارجي والطلّة الظاهرية للشاب أو الشابة، للمرأة أو الرجل، فابن آدم في زماننا لم يعد يعجبه شكله وهو يغيره بين يوم وآخر أو شهر وآخر، فيتغير لون الشعر والعيون ويعاد تشكيل الوجه والجسم وتتحول الملابس وتنقلب إلى نوع وشكل مختلف تماماً، حتى ان من يغير «لوكه» يبدو كأنه مخلوق جديد لا يشبه نفسه قبل التعديل، والتعديل، لازم وواجب بأمر العرف و«الموضة» وأطباء التجميل والحلاقين وشركات التزيين.
أن يكون الإنسان نرجسياً، وأن يصب كل اهتمامه على ظاهره وتغييره، وأن يكون محكوماً بما يريده ويستحسنه الآخرون حتى إن كان هذا لا يناسب تركيب جسده، وأن يكون هذا الاهتمام بالظاهر على حساب الاهتمام بالباطن من عقل وفكر وقلب وروح، وأن ينفق على (تغيير اللوك) أموالا تكسر ظهر صاحبها في الوقت الذي نحن فيه جميعاً على شفا هاوية وأكثرنا يصارع معظم نهاره من أجل اللقمة فإن كل هذا..... من قبيل الفساد وخواء الأدمغة والتبذير الذي وصف أصحابه بأنهم إخوان الشياطين.
من حق وواجب المرأة أن تتجمل وتتبرج لزوجها ومن حق وواجب الرجل أن يتجمل ويتأنق لزوجته، ومن حق الاثنين أن يهتما بنظافتهما وأزيائهما خارج البيت.
ولكن المصيبة أن الموضوع لم يعد من قبيل الزينة التي أمرنا أن نأخذ بها حتى ونحن ذاهبون إلى المساجد بقدر ما هو تقليد قطيعي للتغييرات التي تملى على الجميع من دور الأزياء والتجميل، مما يعني أن المقلد خاو في داخله غير واثق بنفسه وغير راض وقانع بمظهره، وإلا فكيف يفسّر أن يغير الشاب أو الفتاة في الشكل والهيئة واللباس ولو على حساب ضرورات في الحياة لا يصلح أمر الأسرة إلا بتلبيتها.
التقليد للغرب وأهله وفيهم كثيرون من أعدائنا لم يحظر إلا لأنه يعني عدم الثقة بالنفس وعدم الرضى عنها وعدم التمسك بالهوية والخصوصية والتبعية الانبطاحية للعدو وتقليعاته، وتشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال لم يحرما إلا لأنهما يعاكسان الفطرة والطبيعة ويفتحان أبواباً من الشذوذ والفتنة فضلاً عن تكاليف بالمليارات تضيع وتهدر من أجل تغيير اللوك كل عدة أشهر.
ابن خلدون عنده الجواب، فمن ناموس وقانون المجتمعات أن المغلوب يقلد الغالب، وتغيير اللوك الهستيري هو تعبير عن الهزيمة والاستغناء عن الهوية حتى في شكل الوجه ولون الشعر والزي والملبس وعلامة سقوط وتقهقر حضاري، والشركات الأجنبية تبيعنا أسماء أو ماركات تضاعف سعر المنتج مئات المرات ونحن مقصرون في العمل والبناء وتلبية الحاجات الأساسية والمشاركة في تنمية المجتمع، والنتيجة هدر وإفساد وعبث بالعباد والبلاد.
قال لي صديق يوماً: زوجتي سمراء وربما كانت سمرتها ما أعجبني فيها وقد أكرمها الله بشعر كستنائي يتناسب مع لون بشرتها وعينين عسليتين يزيدانها جمالاً وسحراً، ولكنها مصرة دائماً على التغيير فهي تلون شعرها بألوان تجعلني أستعيذ بالله وتغير في ألوان عينيها مما يفسد هيئتها وطلتها، وإذا اعترضت قالت اني لا أفهم في «الموضة» و«اللوك» وانه من الغريب النادر أن تبقى المرأة أو حتى الرجل بمظهر واحد طوال عمره.
ثم جاءنا أطباء التجميل بعدتهم الناجعة في التغيير والتعديل، ونفخ الشفاه وإعادة تشكيل الأنف، وشد الجلد والوشم (التاتو)، ولم تعد مهمة طبيب التجميل أن يصلح ما أفسده حادث أو يعدل في شكل شوه بقدر ما صار يفسد الصالح ويشوه الطبيعي ويقبح الجميل.
ثم إن لكل شعب جماله الخاص ومقاييسه المرغوبة فلماذا على جميع سكان الأرض أن يقلدوا الغرب الأميركي والأوروبي في جمال الله يهنيهم عليه ولكنه لا يناسبنا، والرسول الأعظم عندما لعن النامصة والواشمة والواصلة بوحي من رب العزة كان يلعن العبث بخلق الله لا إصلاح العيوب في حال وجودها، وآخر صرعة «مكياج الرجال» أحمر شفاه وكريم أساس وأدوات لتحديد العيون والحواجب والشوارب ومساحيق لتلميع الأظافر (البيان 9178) فهل من يستخدم كل هذا رجال بمعنى الكلمة أم أنه تغيير اللوك.
إنه فعلاً شر البلية الذي يضحك ويبكي.