لا يمكن للعبد أن يستغني عن الصبر في جميع أحواله لأن ما يلقاه في الدنيا نوعان لا ثالث لهما :إما نِعَم ومِنَح أسبغها الله عليه فهو بحاجة للصبر على شكرها ومنْع نفسه من استغلالها في الحرام، أو شدائد ومحن تحيق به فهو بحاجة للصبر وعدم الجزع «ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور، إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير».
فالإنسان يختلف عليه العسر واليسر، وتحصره المحن أحياناً وتنزل على رأسه المصائب فيذوق آلام فقد الأحبة وشدّة السقم وموجات الجوع وبلاء العيش، وتمر عليه أحياناً سُحُب الحزن فتهطل من عينيه دموع الأسى وتعتصر صدرَه الهمومُ وهذه سنة الله في خلقه قال تعالى: «ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات..».
وابتلاء الناس لا مفر منه فلا بد من اختبار الله لعباده، قال تعالى :«ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم»، سواء أكان الابتلاء بالسراء أم بالضراء ليختبر معدن الإنسان فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«إن الله ليُجرِّب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به، كما يُجرِّب أحدكم ذهبه بالنار، فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز(أي الخالص الصافي)، فذلك الذي نجَّاه الله تعالى من السيئات، ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك، فذلك الذي يَشكُّ بعض الشك، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي افتتن». ويقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه :«يا ابن آدم لا تفرح بالغنى ولا تقنط بالفقر، ولا تحزن بالبلاء ولا تفرح بالرخاء فإن الذهب يُجرَّب..».
فالنعم أضياف والبلايا أضياف تحِلّ بالعبد كما قال الإمام أبو الوفا بن عقيل صاحب كتاب (الفنون) :«النعم أضياف وقِراها (أي طعام ضيافتها) الشكر، والبلايا أضياف وقِراها الصبر، فاجتهد أن ترحل الأضياف شاكرةً حُسن القِرى، شاهدةً بما تسمع وترى» أي أحسنْ شكر النعم والصبر على البلاء، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
«من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن يُنزل بهم من الشدة والضُّر ما يُلْجئهم إلى توحيده، فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه ولا يرجون أحداً سواه، فتتعلّق قلوبهم به لا بغيره، فيحصل لهم من التوكل عليه، والإنابة إليه، وحلاوة الإيمان، وذوْق طعمه، والبراءة من الشرك :ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف أو الجدب أو الضُّر، وما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم من أن يُعبَّر عنه فقال :
ولكل مؤمن من ذلك نصيبٌ بقدر إيمانه» وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي حين سأله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه :أيّ الناس أشد بلاء؟ فقال :«أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجلُ على حسن دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، وما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة»، وعلى الرغم من عظم أجر الصبر وتنقيته العبد من الذنوب والآثام حيث روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة».
وهذا سر قوله عليه الصلاة والسلام «من يرد الله به خيراً يُصِبْ منه»، إلا أن الصابرين قليل، والأشداء على تحمّل الفجائع نادرون، مع أن الصبر للمؤمن علامة، وللراضي بقضاء الله وقدره وسام، وهو لمن يتحلى به بشرى ونور من عند الله تعالى :«... وبشّر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون».
من هنا كان الصبر نهايته إلى خير بإذن الله متى ما احتسب المؤمن بذلك وجه الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم فيما رواه مسلم:«عجباّ لأمر المؤمن، إن أمره كلّه خير وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن :إن أصابته سرّاء شكرَ فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبرَ فكان خيراً». أيها المبتلَى.. لعلّ لك عند الله تعالى منزلة لا تبلغها بعملك، فما يزال الله تعالى يبتليك بحكمته بما تكره ويُصبّرك على ما ابتلاك به، حتى تبلغ تلك المنزلة..فلِمَ الحزن إذاً؟!
وليكن لك في صبر الأنبياء ما تتأسى به، فهذا يعقوب عليه السلام صبر على فراق يوسف عليه السلام، وهذا يوسف صبر على ظلمة البئر وعلى محنة السجن، وهذا أيوب صبر على المرض، وهذا يونس صبر على الظلمات الثلاث، وصالح ولوط صبرا على إيذاء قومهما لهما، وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم صبر عندما فارق الأحبة، وصبر عندما آذاه قومه، وصبر على الجوع، وتذكّرْ قولَ نبيك الصابر المحتسب :
«يودّ أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرضت في الدنيا بالمقارض» واعلمْ أن الكرب لا بد أن يزول، فلكل شيء أجَل ولتدركْ أن الفرج يأتي من قلب الشدة والضيق، والشواهد على ذلك كثيرة ، ولا يتسع المقام لذكرها كقصة الأمة السوداء التي أتُهمت بسرقة الوشاح فصبرت فأظهر الله براءتها بأن ألقته الحُديّاة التي اختطفته، فالابتلاء هدية الله لك لدخول الجنة فلا ترد عطيته، يقول ابن القيم :«من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره، ومن خلقه الله للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات».