«إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»« يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر».
المشرعون في مختلف الأمم ينشدون استقرار الحياة، وتوفير الطمأنينة ويضعون من التشريع ما يبتغون منه تحقيق أغراضهم.. وهم يصدرون في هذا عن تجاربهم في تعرف الثغرات التي يحسونها في محيطهم وعن اجتهادهم في توخي المصلحة.
وواضح أن التجارب والاجتهاد مهما يكن لهما من مساعدات في ملاءمة التشريع، فإنهما لا يبلغان مبلغ الإيحاء السماوي، ولا يغنيان غناءه في شؤون المجتمع، ولا في الكثير منها : ضرورة أن شرائع الناس مكيفة بروح الزمن الذي وضعت له، والبيئة التي نجحت فيها، وبقاء الزمن والبيئة على لون واحد أمر غير مفروض، فيكون طبيعياً أن ما يصلح لليوم لا يصلح للغد، وما ينفع في بيئة لا ينفع في أخرى.
لذلك تكون الأمم المتدنية لاجئة إلى دينها، لا بحكم العقيدة فقط، ولكن بدافع الحاجة إلى الاهتداء به والاقتباس منه، ويكون المجتمع الإسلامي بصفة أخص أولى الشعوب بالاتجاه نحو دينه وأجدرها بالمسارعة إلى الأخذ به، فإن للمسلمين كتاباً حافلاً بالنظم المدنية، ولا ينقصه شيئا من أساليب التقنين لكل ما تنشده الإنسانية بعد مراحلها الأولى، وفيما يمس الحياة في مستقبلها المتجدد.. ولسنا في مقام الموازنة حتى ننادي بأنه دين الخلود ولا جرم.
وأنت إذا قرأت القرآن، واستوعبت سنة الرسول وجدت الجانب الأكبر منهما في التنظيم الاجتماعي، وفى تربية الضمير، وتكوين الأنفس على غرار حسن، وفى دعم المجتمع بالخلق الرفيع، ووجدت نصوص الأحكام على كثرتها محصورة العدد إلى جانب ما يتعلق بالفضيلة.
وفحوى ذلك أن غرس الفضيلة، وتقويم الخلق في المكان الأول من الشريعة الإسلامية، وشاهد ذلك من القرآن نفسه أن الله أثنى على رسوله محمد بعظمة خلقه، ورقة قلبه في قوله تعالى «وإنك لعلى خلق عظيم» «ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك» « بالمؤمنين رءوف رحيم».
ولو أن الجانب الخلقي بلغ مبلغ الكمال أو قريباً منه عند الناس جميعاً، أو عند أكثرهم، لاستغنوا عن كثير جداً من التقنين المدني الذي اقتضته نزعات الانحراف، ونزوات النفوس.
لذلك جاء القرآن معنياً جد العناية بالناحية الأدبية، وأكثر فيها من توجيهاته وإرشاده مراعاة لأن النفس أمارة بالسوء فهي بحاجة إلى مقاومة شديدة.
ومما جاء به القرآن لضمان الاستقرار، وذيوع الطمأنينة، تلك الأمور التي توجنا بها هذا الحديث: أمانات وعدل وطاعات واحتكام إلى الكتاب والسنة.
وإنك لتلمس في مطلع الآيات تأكيد التكليف بهذه الأمور الأربعة فمبدؤها :
« إن الله يأمركم» وفى ذلك توكيد بأن.. وتصريح بذكر الله، وأخبار بأنه يأمرنا، فكأنه أمر سابق مفروض الحصول لا يحتاج إلى إنشاء جديد.. وهو بصيغة المضارع يقارن زمنه ويتحدد مع الزمن في مستقبله، ثم هو يتجه إلى جميع المخاطبين به من وقت حصوله إلى نهاية الدنيا، دون استثناء رجل أو امرأة، ولا ملك أو سوقه.
ولا شك أن الخطاب على هذا النمط يثبت تعلق تلك الأمور بكل ذمة من ذمم المسلمين بل وغير المسلمين مضافاً إلى مطالبتهم بأصل الإيمان.
والأمانة شاملة لكل ما يعهد بحفظه إلى الغير من أموال، وأقوال غير منكرة، وشاملة لما يوكل إلى الإنسان من أعمال وظيفته، وصناعته، وكل ما يرتبط به صالح الفرد والمجموع ويعتمد فيه على حسن الظن بالأمين.
وذكر الأمانات يقوم مقام التفصيل في التكليف بها، والتفصيل متروك إلى ما تكشف عنه حوائج الناس.. وقد بلغ من شأن الأمانة في الإسلام أن ذكرها القرآن كثيراً، وذكرها في سياق الأمر بأهم ما يعنى به من صلاة وزكاة ومحافظة على الأعراض.
وبلغ من شأنها كذلك أن الله اعتبر دينه أمانة عند عباده. وأفاد أن السموات والأرض والجبال على عظمتها لم تتهيأ لحمل هذه الأمانة.
ولكن الإنسان بما امتاز به من عقل ومواهب كان أهلاً لحمل تلك الأمانة، وللتكليف بها، فإذا أداها على الوجه المطلوب كان أميناً، وإذا لم تكن الأمانة التامة من خلائقه وشيمه، فهو مستهين بحق الله وحقوق الناس، وهو ظلوم جهول كما تحدث الله عنه، والظلوم الجهول مهدد بعذاب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات.
وبلغ من شأن الأمانة بين الناس أن الله رفع مستواها حتى جعلها في مستوى الأمانة من الله ورسوله، وجعل الخيانة في شيء منها كالخيانة في أمانة الله ورسوله.. فقال تعالى « يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون». أى تعلمون أنها أمانة، وتعلمون شأن الأمانة في شريعة الله، وتعلمون خطر الخيانة فيما عند الله.
وبلغ من شأن الأمانة أخيراً أن النبي صلوات الله عليه نص على أنه لا إيمان لمن لا أمانة له، ومعنى ذلك صراحة أن من فقد الأمانة، أو تزعزعت فيه تلك الصفة، فقد ضيع الدين، ونحن لا نرى في ذلك مبالغة، إذا ذكرنا خيانة تقع من قائد أو جندي، ويعرض بها حياة الأمة، أو سيادتها للضياع.
أو ذكرنا خيانة من رجل السياسة حينما يخادع شعبه بالأباطيل حتى يرجع بشعبه عن مقاصده ويمكن للفساد أن يستشري فيه، أو خيانة الرجل لزوجته، أو الزوجة لزوجها، حتى تنعدم الثقة بينهما، فيكون ذلك هدماً لبناء الأسرة، وزعزعة للنظام العائلي، والأسرة وحدة من وحدات الأمة، وانحلال أسرة من الأسر كثائر الحجر من بين صفوف البناء يوشك أن يجتذب حجراً وحجراً بعده، فيفقد البناء قوته، ويكون قريب الانهيار، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.
وهكذا نجد الأمانة متغلغلة في الذمم، وضاربة في كل شأن، وكل امرئ منا مأمور على ما بيده، فإذا خان فهو مسؤول عن رعيته.وحسبك أن الله وصف بها جبريل في قوله تعالى :« نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين ».